قضت الدكتورة أمال بورقية حوالي 30 سنة كطبيبة متخصصة في القصور الكلوي وركزت نشاطها كأستاذة جامعية على الحالات التي تصيب الأطفال، وبعد أن راكمت خلال هذه الفترة الطويلة تجربة عملت على تقاسم خلاصاتها مختلف مكونات المجتمع من خلال إصدار كتاب اختارت له عنوان: "المريض – الطبيب. أية علاقة؟" وهو كتاب أرادت له أن يكون وسيلة لإبراز الأبعاد الأخلاقية للإعلان عن مرض مزمن من خلال حالة القصور الكلوي المزمن.

الأستاذة بورقية مكنتها تجربتها في المستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء من الاطلاع على أسرار مرضى ينتمون لمختلف الفئات الاجتماعية وتتبعت سلوكيات المرضى وأسرهم طيلة مراحل اكتشاف المرض ومحاولات تقبله وتأثيره على نمط العيش، وهذه التجربة التي استخلصت منها موضوع مؤلفها الجديد قدمتها لنا في الورقة التالية:

الإعلان عن المرض يمكن أن يتسبب في اضطرابات عنيفة تنعكس على ردود فعل أو سلوك المريض ، لهذا و من أجل الحفاظ على الكرامة و الثقة و حرية اختيار العلاج، وجب على الأطباء الإفصاح عن أي خبر بطريقة مناسبة تخضع لاعتبارات إنسانية الهدف منها ورع الثقة و الأمل في الدواء و العلاج.

الإعلان و الرعاية لحالة مزمنة كحالة القصور الكلوي،  يتطلب أخلاقيا الدعم المتواصل و المواسات .

تعد علاقة الطبيب ـ مريض علاقة إنسانية مبنية على الثقة المتبادلة ، تحكمها مدونة لآداب الطب فيما يتعلق بالسلوكيات الأخلاقية . فالأخلاقيات مبدأ جوهري في المشهد الطبي يحدده قيم فردية ، اجتماعية و ثقافية.

بالنسبة للجانب الاجتماعي يؤثر في ذلك بلورة الطب و آلياته . ، الطبيب من خلال ممارسته اليومية، يكون على اتصال مباشر مع الناس، يعلم قلقهم، شكوكهم و انتظاراتهم، فرأيه يحترم في مجتمع أصبح يعرف إتلاف مجموعة من القيم.

من الأمثل أن يتحلى الطبيب ببعض الصفات الضرورية في ممارسة المهنة كالإنسانية التي تجعله يستجيب لحاجيات المرضى و يكون على بينة من معاناتهم. فلا يمكن تصور الممارسة الطبية بدون إحساس و شغف و بدون تفاني مستمر في خدمة المريض مع الحرص على أن لا يطغى عليه الحس العاطفي و ذلك من أجل ضمان أحسن علاج.

 فمهنتنا تتطلب الثقة العلمية و التقنية الضرورية لاكتساب المهارات الأساسية. طوال مساره المهني، لابد من إعادة تدريب الطبيب بشكل دوري لمواصلة اكتساب المعارف الضرورية التي تمكنه من بلورة تفكير منطقي و تطوير خصائص نفسية و خلقية كالإنصات و الصفات الإنسانية .

 لقد تغيرت الممارسة الطبية بشكل كبير على مر القرون. لكن رغم أن الفحص الطبي و التقني عرفا تقدما متزايدا في الرعاية الصحية للمريض ، فينبغي للبعد الإنساني أن يطغى و يبقى الأسمى.

 تكون علاقة الطبيب ـ مريض جد ضرورية عندما يتعلق الأمر برعاية حالة مرضية مزمنة. فتنشأ طيلة فترة التتبع و المصاحبة علاقة ود من شأنها التخفيف من آلام المريض و تمكين الطبيب من التفطن إلى العوارض الخفية للمرض من أجل معالجته. قطعا إن للبعد الأخلاقي أثر على سلوك الطبيب و ذلك من خلال مساعدته على مواجهة مواقف يومية و تحديات    تعتار    العلاقة العلاجية وبذلك اجتناب أي  صراع أو تشنج.

كما يتوفر الطبيب على مجموعة من أساليب فعالة لتطوير و تعميق علاقة الثقة و الحس العاطفي و ذلك على أسس أخلاقية من أجل رعاية أفضل مردها التخفيف من معناة الشخص المصاب. هذه العلاقة المميزة تشعر المريض بالطمأنينة فيستجيب تلقائيا للتعليمات إذا أحس أن الطبيب مدرك لمشكله و أنه بقدر ما يهتم بعلاج الجسم فهو يراعي الجانب الإنساني.

 فمن خلالal moumarassa  الطبية نواجه يوميا مثل هذه الحالات لذلك يبدو من الضروري الوقوف عندها و التأمل فيها لأن التصور الأخلاقي أمر ضروري ، فمن خلال بعض الشهادات المدلاة من طرف المرضى و أسرهم الذين تفاعلت معهم على مدى ثلاثين سنة من الممارسة الطبية، قررت الوقوف عند بعض الجوانب العلائقية التي تربط المريض و الطبيب خاصة الذي يعتني بالأمراض المزمنة. فمرحلة الإعلان عن المرض تكتسي أهمية خاصة بالنسبة لهؤلاء المصابين و من ثم وجب تفعيل البعد الأخلاقي لأنه مكون أساسي و حتمي في عملية التواصل في الميدان الطبي.

منذ القدم والطب مرتبط بالمعتقدات و الدين، كأن المريض يعتبر شخصا خطاء جزاء خطيئته العقاب الإلهي و كفارته المعاناة من المرض. و رغم هذا التصور الذي كان يهتم بطبيعة و أسباب المرض دون نفسية المريض، فالأطباء طالما اعتراهم إحساس الشفقة و إدراك مدى أوجاع هذا الإنسان العليل.

 منذ قرون و علاقة الطبيب  ـ مريض تتميز بالسلطوية، فالمريض يمتثل لتعليمات ووصفة الطبيب، لا خيار له إلا أخذ الدواء دون معرفة الداء . مع مرور الوقت، تغير هذا المنظور و أصبح المريض شريك في المنظومة الطبية الاستشفائية، فهو شريك في القرار، و في وسائل المعالجة و في العلاج. لذلك وجب التخلي عن تلك الممارسات القديمة التي لا تحترم المريض أو رغباته لصالح شراكة تسعى لتعميق الحقوق الفردية من خلال الدور الوظيفي الذي أصبح يتمتع به المريض في اختيار مساره الاستشفائي مع التوجيه المتنور و الإرشادات الأخلاقية التي يقدمها الطبيب.

ومع ذلك، و على الرغم من هذه التطورات ، في بعض الحالات، عندما يتفاقم المرض أو يكون المرض خطيرا فالصلاحية ترجع بديهيا للطبيب في اتخاذ القرارات. فالطبيب يتطلع دائما إلى تثمين جودة العلاقات، محاولا تحديد و فهم حالة المريض ، متمثلا بعض لأحيان في شخصه تاركا مسافة للموضوعية اللازمة من أجل الحفاظ على التوازن العلائقي قصد اتخاذ القرارات الصائبة في العلاج.

خلال العلاقة بين الطبيب و المريض نستخلص نوعان من الموافق الغير متطابقة: هناك سلوك المريض الهش السلبي الذي يمتثل لقرارات الطبيب و هناك سلوك فعال يقابل الهيمنة السلطوية التي تميز شخصية الطبيب.

    فالمريض يرجى الاستشفاء و العلاج من طبيب يملك المعرفة العلمية و التقنية ، بل يطمح إلى أكثر من ذلك فهو يرغب في دعم نفسي يشعره بالأمان و الطمأنينة من خلال علاقة ذات رباط حسي و عاطفي بذلك الشخص الذي يكتسب القدرة على خلاصه شؤم المرض.

    فالعلاقة العلاجية بين الطبيب و المريض تخضع لعديد م المؤثرات سواء كانت فردية أو ثقافية. لذلك فالمريض يتفاعل مع مرضه وفق قوة شخصيته، بحيث في بعض الأحيان يمكن أن يسقط رغباته على الطبيب أو إحياء لا شعوري لبعض المواقف و الصراعات التي عايشها في الماضي.

    كما أن الطبيب يتعامل مع مريضه من خلال شخصيته و تجربته التي تنجم عنها بعض المواقف الشعورية  اللاشعورية. مواقف تجعله أقل أو أكثر حساسية لمعاناة المريض.

     إن هذه العلاقة خاصة تعتمد على مبدأ المثالية المتبادلة: المريض يحترم و يعظم الطبيب، فهو يمتلك الخبرة و المعرفة العلمية ، أما مثالية الطبيب للمريض فتتجلى في كونه الجسد الذي يمكنه من صقل تجربته و بلورة أطروحته الطبية، بل خصوصية علاقة الطبيب ـ مريض . تمكن في الظروف التي تحتمها من خلال الخطاب اللفظي و الغير اللفظي المتبادل و خاصة ارتباطها الوثيق بمسألة مهمة و حساسة، ألا وهي الحياة و الموت.

   كل ما له ارتباط بالحياة فهو مقدس و لهذا ينبغي على الطبيب أن يخضع لالتزامات أخلاقية كالصدق، الكتمان و لا يجب عليه أن يكون عنيف أو مندفع أو يخضع المريض لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، الشيء الذي يدفع بهذا الأخير إلى التخلي بسهولة عن العلاج.

التفاعل العلائقي بين المريض و الطبيب يخلق مجموعة من العواطف و المشاعر التي تؤثر في طبيعة التعامل بينهما. و بالتالي فنحن نتحدث عن مفهوم ردود الفعل العاطفية الواعية منها و اللاواعية التي يسقطها المريض على مشاعر الطبيب الذي بدوره يعكس بشكل لاشعوري إحساس المريض.

  فمن خلال هذه المشاعر العكسية المتبادلة قد يولد عنه إحساس إيجابي يغذي علاقة الطبيب ـ مريض  مع خلق و بلورة حس مرهف يساهم بشكل فعال في العلاقة العلاجية كما يمكن لهذا الإحساس العكسي أن يكون سلبي فيؤدي إلى سلوك عنيف من قبل الطبيب مما يترتب عنه فشل هذه العلاقة.

  طيلة فترة التشخيص و العلاج، يجب على الطبيب التحلي بمهارة عالية في التواصل التي من المفروض أن يكون قد اكتسبها من خلال تجربته محاولا تبسيط و تكييف الخطاب الطبي حسب المستوى اللغوي و المعرفي للمريض خاصة عند وصف وشرح طبيعة المرض و مراحله. لهذا وجب الطبيب المعالج أن يستقي ثقافته الطبية من أحدث المعرف العلمية الشيء الذي يتطلب منه التكوين الذاتي و المستمر في ميدان التطبيب معتمدا في ممارسته المهنية على التحليل النقدي لسلوكاته وفق الضوابط الأخلاقية و احترام حقوق الفرد.

  يجب على الطبيب أن يتأكد من صحة التشخيص عند إبلاغ المريض و أسرته محاولا بكل مجهود زرع الأمل في تحسين الوضعية الصحية للمصاب مع المراعاة لوجهة نظره من أجل ضمان رعاية صحية و تتبع علاجي جيد يسمح بممارسة طبية جد مريحة.

 

  إن بناء علاقة جيدة ذات جودة عالية يستوجب إرادة عميقة تنبثق من القلب و العقل معا لكي يشعر المريض و أرته بنوع من الارتياح و الرعاية عند كل لقاء. فحسن هذه العلاقة يفرض مبادئ جوهرية تتجلى في الثقة و الكتمان لأن التجربة الطبية وحدها لا تكفي دائما لإنجاح العلاج الطبي المكتسب من خلال بعض الكفاءات التي يمنحها التعليم و التكوين الطبي.

  بعبارة أخرى و بشكل شعوري أو لاشعوري فهذه العلاقة مبنية على انتظارات و آمال متبادلة. المريض ينتظر العلاج أو على الأقل التخفيف من معاناته، الطبيب يسعى لتحقيق قدراته العلاجية منتظرا الاعتراف بالجميل من طرف المريض. غير أن نجاح هذه التوقعات و الآمال المشتركة غير ثابت يمكن أن يعرف بعض الإخفاقات خاصة عندما يصبح المرض مزمنا أو عند حدوث وفاة، فهذا المشهد الطبي المؤلم يشكل الحياة اليومية للطبيب.

  و هكذا من خلال مسيرته المهنية كل طبيب مضطر إلى الإعلان عن مرض مزمن أو خطير. فهذه الوضعية تتطلب مراعاة لشعور المريض و عائلته، فمن المناسب أن يتميز أسلوب الإخبار باللباقة و عدم التعسفية حرصا على عدم حدوث أي صدمة ممكنة. فعلا، الإعلان عن تشخيص أي مرض مزمن يعتبر صدمة نفسية قوية لا يجب خلالها أن يشعر المريض بالوحدة و الضياع بل الشعور بالأمان و الأمل مدعما بالمصاحبة الطبية من قبل الشخص الذي له المعرفة العلمية و القدرة على مساعدته على اجتياز محنته و التخلص من المرض.