بقلم: ذ. محمد المعاشي باحث مختص في القانون الاجتماعي

بعد أن تطرقنا في الجزء الأول إلى السلطة التأديبية للمشغل في حالة الفصل (أولا)، مع الاشارة لكل من مدى وجوب احترام المسطرة القانونية(1) وكذا تحديد السلطة التأديبية للمشغل(2)، ثم تحدثنا كذلك عن الفصل الفردي (ثانيا) مع الوقوف على الفصل الفردي الناتج عن الخطأ غير الجسيم(1)، وفي الجزء الثاني إلى كل من الفصل الفردي الناتج عن الخطأ الجسيم(2)، وكذا الاجراءات المسطرية الواجب اتباعها في حالة الفصل الفردي(3)، فإننا في هذا الجزء سنتناول الحديث عن المسطرة الخاصة بفصل مندوب الأجراء والممثل النقابي وطبيب الشغل (4)، ثم الحديث عم مراقبة السلطة القضائية للسلطة التأديبية للمشغل(5). 

 الجزء الثالث

4.  المسطرة الخاصة بفصل مندوب الأجراء والممثل النقابي وطبيب الشغل

 خصص المشرع المغربي مساطر خاصة عند فصل كل من مندوبي الأجراء أو الممثلين النقابيين أو أطباء الشغل، حيث اتخذ المشرع تدابير خاصة من أجل حمايتهم في مواجهة المشغل إذ أن أي إجراء تأديبي يتخذه المشغل في حقهم، الرامي إلى فصلهم عن الشغل، يجب أن يكون ذلك محل مقرر يوافق عليه العون المكلف بتفتيش الشغل[1]، خاصة وأنهم معرضون للعقوبات أكثر من غيرهم، وأساس هذه الحماية باعتبارهم يوجدون في وضعية خاصة بالمقاولة.

 1.    الحماية الخاصة بمندوب الأجراء

 إن اكتساب الأجير لصفة مندوب الأجراء  معرض يدوره لعقوبات تأديبية، على اعتبار أن صفته تدفع به في الأصل إلى الاستقلال عن ضغوظات المشغل، لتمثيل الأجراء بالمفهوم القانوني، والذي قد يؤدي به الأمر إلى مواجهة المشغل من جراء التعسفات التي يمارسها على الأجراء، وأمام المصالح المتضاربة والمختلفة بين أطراف العلاقة.

حيث ينظر لمندوب الأجراء باعتباره المدافع عن الأجراء، كمصدر للمشاكل والإزعاج، ومن ثم وجب التضييق عليه وإن إقتضى الحال فصله عن العمل من طرف المشغل، هذا الأخير الذي يسعى عادة إلى الحفاظ على السلطة التأديبية، وإبعاد كل العقبات التي قد تحد من سلطته.

وأمام التوجه الرامي لحماية مندوبي الأجراء[2]، لكونهم أكثر عرضة للفصل، بسبب مختلف المواقف التي يتخذونها والتي تزعج المشغل ومن يدور في فلكه وتعارض مصالحه، لهذه الغاية اتخذ المشرع التدابير القانونية الحمائية التي ترمي إلى حمايتهم من تعسفات المشغل، حيث اعتبر المشرع المغربي أن طلب الترشيح لممارسة مهمة مندوب الأجراء، أو ممارسة هذه المهمة، أو ممارستها سابقا، لا تعد من المبررات المقبولة لاتخاذ العقوبات التأديبية أو الفصل من الشغل، حسب المادة 36 الفقرة الثالثة، وقد أكدت نص المادة 457 من مدونة الشغل على أنه (( يجب أن يكون كل إجراء تأديبي، يعتزم المشغل اتخاذه في حق مندوب الأجراء، أصليا كان أو نائبا، موضوع مقرر، يوافق عليه العون المكلف بتفتيش الشغل، إذا كان هذا الإجراء يرمي على نقل المندوب أو نائبه من مصلحة إلى أخرى، أو من شغل إلى آخر، أو توقيفه عن شغله، أو فصله عنه))، وهذه المقتضيات الحمائية المخولة لمندوبي الأجراء تلزم المشغل على إشعار مفتش الشغل، قبل إصدار أي قرار في حق مندوب الأجراء، ومن جهة أخرى يجب على مفتش الشغل إبداء رأيه  بشكل معلل وإصدار مقرره في الموضوع.

كما نصت الاتفاقية الدولية رقم 135 المتعلقة بتوفير الحماية والتسهيلات لممثلي العمال في المؤسسات، الصادرة عن المؤتمر العمل الدولي في دورته السادسة والخمسين في 2 يونيو 1971  والتي صادق عليها المغرب في 30 يونيو 1973، حيث تنص المادة الأولى على أنه (( يتمتع ممثلو العمال في المؤسسات بحماية فعلية من أي تصرفات تضر بهم، بما فيها التسريح، وتتخذ بسبب وضعهم أو أنشطتهم كممثلين للعمال...))

وفي حالة ارتكاب مندوب الأجراء لخطأ جسيم، فإن المشرع المغربي حافظ على أحكام ظهير 1962،حيث خول للمشغل امكانية الاحتفاظ يه في منصبه أو توقيفه مؤقتا، مع إشعار العون المكلف بتفتيش الشغل بالإجراء التأديبي المزمع اتخاذه، جيث نصت المادة 459 من مدونة الشغل على أنه (( يمكن للمشغل، في حالة الخطأ الجسيم، أن يقرر حالا التوقيف المؤقت في حق مندوب الأجراء، وعليه أن يشعر فورا، العون المكلف بتفتيش الشغل بالإجراء التأديبي المزمع اتخاذه.

يجب على العون المكلف بتفتيش الشغل، في الحالات الواردة في المادتين 457 و458 أعلاه، أن يتخذ قراره، بالموافقة أو الرفض، خلال ثمانية أيام الموالية لإشعاره ويجب أن يكون قراره معللا))، وقد اعتبر المجلس الأعلى في إحدى قرارته على أن طرد مندوب الأجراء بدون أخذ رأي مفتش الشغل يعتبر طردا تعسفيا بقطع النظر عن الأخطاء المنسوبة إليه[3].

وما يستنتج من خلال المادة 457 على أن الحماية للإجراء التأديبي لا تقتصر فقط على الفصل عن العمل، بل تعداه إلى الحماية من جميع العقوبات التأديبية الواردة في المادة 37 من مدونة الشغل، بما في ذلك الانذار والتوبيخ، وبذلك يصبح المشغل ملزم بإتباع المسطرة الحمائية الخاصة بمندوبي الأجراء.

ويستفيد من هذه الحماية قدماء مندوبي الأجراء، خلال ستة أشهر من تاريخ انتهاء انتدابهم، وكذا المترشحين لانتخابات مندوبي  الأجراء، بمجرد وضع اللوائح الانتخابية، وتظل سارية المفعول طيلة ثلاثة أشهر من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات طبقا لمقتضيات المادة 458 من مدونة الشغل. 

لقد أضفى المشرع حماية أكبر في حالة إعفاء أحد مندوب الأجراء خلال مدة انتدابه، حيث يضاعف تعويض الفصل من الخدمة، أي يرفع تعويض الفصل بنسبة 100 بالمائة، حسب المادة 58 من مدونة الشغل.

فهل نعتبر هذه الحماية، التي خصصها المشرع لمندوبي الأجراء، كافية لممارسة مهامهم التمثيلية في أحسن الظروف، أمام المخاطر والصعوبات التي تعترضهم من جراء تعسفات المشغل، الذي يتوفر على السلطة واستغلال النفوذ؟

 لكن، ما يلاحظ أنه في غالب الأحيان تبقى هذه الحماية التي أتى بها المشرع مجرد حبر على ورق، حيث تبقى أجهزة المراقبة المكلفة بتفتيش الشغل تتفرج بدون نتيجة يذكر، القانون شيء والواقع شيء أخر. 

وقد نجد فئة من مندوبي الأجراء مستغنية عن المشرع المغربي، حيث تتوفر على حماية من نوع خاص من طرف المشغل الذي يوفر لهم كامل الحماية أمام السلطة التي يتوفر عليها داخل  المقاولة، حيث منذ الوهلة الأولى من انتخابات مندوبي الأجراء، يتدخل المشغل وبمعية مصالحه الادارية على اختيار والدفع بلائحة مندوبي الأجراء الذين سيعملون إلى جانب المشغل، حيث تصبح هذه الشريحة من مندوبي الأجراء تدافع عن مصالح المشغل ضاربة عرض الحائط مصالح الأجراء، كما نجد شريحة أخرى من مندوبي الأجراء تتخلى عن مبادئها وعن الرسالة النبيلة التي من أجلها تم انتخابهم، وذلك أمام الإغراءات المادية والامتيازات التي يقدمها لهم المشغل، حيث تصيح مصالح الأجراء في خبر كان.

2. الحماية الخاصة بممثل النقابي

 إذا كان مندوب الأجراء في ظل القانون السابق لوحده يتوفر على الضمانات الحمائية والتسهيلات لممارسة مهام كممثل للأجراء، فإن المشرع المغربي مدد من خلال المواد 457 و 458 و459 من المقتضيات القانونية الواردة في مدونة الشغل، نفس الضمانات الحمائيية إلى الممثل النقابي، حيث نصت المادة 472 من مدونة الشغل على أنه ((يستفيد الممثلون النقابيون من نفس التسهيلات والحماية التي يستفيد منها مندوبو الأجراء بمقتضى هذا القانون))، ويتضح من هذه المادة أن المشرع المغربي اعتبر الممثل النقابي في نفس النازلة والمرتبة مع مندوب الأجراء بالنسبة للتسهيلات والحماية القانونية.

والحماية القانونية للنقابيين تظهر جليا من خلال مقتضيات مدونة الشغل، التي تتجلى في ضمانات حرية تأسيس النقابة، والذي يبرز أساسا في حماية المنخرطين والمساهمين في العمل النقابي، من العقوبات التأديبية أو الفصل من الشغل، حيث اعتبرها المشرع المغربي من الأمور غير المبررة، بحيث نصت المادة 36 على أنه ((لا تعد الأمور التالية من المبررات المقبولة لاتخاذ العقوبات التأديبية أو للفصل من الشغل:

  • الانتماء النقابي أو ممارسة مهمة الممثل النقابي؛
  • المساهمة في أنشطة نقابية خارج أوقات الشغل، أو أثناء تلك الأوقات، برضى المشغل أو عملا بمقتضيات اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي؛
  • طلب ترشيح لممارسة مهمة مندوب الأجراء، أو ممارسة هذه المهمة، أو ممارستها سابقا؛
  • تقديم شكوى ضد المشغل، أو المشاركة في دعاوي ضده، في نطاق تطبيق مقتضيات هذا القانون...الخ))[4].

كما يستفيد الممثلين النقابيين لتعويضات مضاعفة في حالة فصلهما من الشغل كما هو الشأن بالنسبة لمندوبي الأجراء، حيث نصت المادة 58 من مدونة الشغل على أنه ((يرفع بنسبة 100 بالمائة التعويض المستحق لمندوب الأجراء والممثل النقابي بالمقاولة عند وجوده، الذين يفصلون عن شغلهم خلال مدة انتدابهم، وفق المقتضيات المنصوص عليها في المادة 53 )).

ويعتبر أعضاء المكاتب النقابية هم أكثر عرضة للتمييز وللعقوبات التأديبية التعسفية التي يوقعها المشغل على هذه الفئة، من انذارات، وتوبيخات، وانتقالات، وتوقيف عن العمل بصفة مؤقتة، وطردهم، وحرمانهم من حقوقهم المشروعة أسوة بزملائهم.

الممثل النقابي في اتصال مباشر مع الأجراء: كما أن الممثلين النقابيين مطالبين من طرف قواعدهم (أي الأجراء المنخرطين في نقابتهم) بالقيام بتجمعات عامة وجهوية، من أجل الوقوف على مطالب الأجراء وصياغة الملف المطلبي الذي سيقدم للمشغل، ويجتمعون كذلك من أجل تقديم الحصيلة الاجتماعية وما وصلت إليه المفاوضات مع المشغل، كما أنهم يسائلون ويحاسبون من طرف قيادتهم المركزية النقابية، في حالة تقدبم الاجراء المنخرطين بشكايات ضدهم، عكس مندوبي الأجراء غير المنقبين (أي غير منتمي لأية منظمة نقابية)، حيث يعتبر غير ملزمين بتقديم أية حصيلة اجتماعية للأجراء أو القيام بجموع عامة وجهوية لمعرفة آرائهم ومطالبهم.

استغلال وجود مندوب الأجراء لإضعاف وضع النقابات: قد يلجأ المشغل إلى استعمال مندوب الأجراء الذي اختارهم منذ بداية الانتخابات، من أجل إضعاف المكاتب النقابية والممثلين النقيبين -وما أكثر هذه الحالات-، وذلك عن طريق تقديم المشغل ومصالحه الادارية لتسهيلات في تسوية ملفاتهم الخاصة وتعليق ملفات الأجراء التي تأتي عن طريق النقابة، لإضعاف وضع النقابة، وسد باب الحوار الاجتماعي أمامه، وتأكيدا لذلك نصت مقتضيات المادة 473 من مدونة الشغل على أنه ((في حالة تواجد ممثلين نقابيين ومندوبين ومنتخبين داخل نفس المؤسسة، يتعين على المشغل، كلما اقتضى الحال ذلك، اتخاذ الإجراءات الملائمة حتى لا يستعمل تواجد المندوبين المنتخبين كوسيلة لإضعاف الممثلين النقابيين من جهة، وحتى يتم تشجيع التعاون بين هاتين المؤسستين الممثلتين للأجراء من جهة أخرى))، ويقابل هذه المادة ما جاء في الاتفاقية الدولية رقم 135 بشأن توفير الحماية والتسهيلات لممثلي العمال في المؤسسات، حيث نصت المادة 5 على أنه ((إذ وجد ممثلون نقابيون وممثلون منتخبون في نفس المؤسسة،  تتخذ تدابير مناسبة، عند الضرورة، لضمان عدم استغلال وجود الممثلين المنتخبين لإضعاف وضع النقابات المعنية أو ممثليها، ولتشجيع التعاون بين الممثلين المنتخبين من جهة، والنقابات وممثليها، من جهة أخرى، في معالجة جميع المسائل ذات الصلة))، ويرجع أصل ظهور مؤسسة مندوبي العمال كأطروحة مناهضة لحق العمال في ممارسة الحريات النقابية[5].

وقد يلجأ كذلك المشغل مع اقتراب انتخابات مندوبي الأجراء، بالدفع بفئة من الأجراء المختارين على مقاس، حتى ولو كانت هذه الفئة ذات سوابق، من أجل تشكيل مكاتب نقابية داخل المقاولة، حيث يعمل المشغل بتقديم جميع التسهيلات اللوجستيكية لهذه الفئة التي تنتقل بحرية في جميع فروع المقاولة، مع حث المشغل المسؤولين بالمقاولة على انخراط الاجراء بكثافة في هذه النقابة التي اخترها المشغل لأجرائه، وفي نفس الوقت يعمل المشغل على محاصرة النقابة التي لا تسير على خطه ولا على خط مصالحه الادارية، والضحية دائما هم الأجراء من الدرجة الأولى.     

لقد أصبح الوضع حاليا في بعض المقاولات المغربية تحلل عليها نقابة وتحرم عليها نقابات، أمام الاغراءات والتهديدات التي يمارسها المشغلون ومصالحهم الادارية باستغلال السلطة واستغلال النفوذ على الأجراء، حيث يصبح الأجراء يتفرجون على الوضع وغير قادرين على تغييره إلا بقلوبهم، فمتى سيستقيم الوضع؟.  

ج. الحماية الخاصة بطبيب الشغل[6]

يرتبط طبيب الشغل بعقد الشغل تراعي فيه قواعد التي تقوم عليها أخلاقيات المهنة حسب المادة 312 من مدونة الشغل، كما أنه ملزم بتأدية مهمته بكل استقلال وحرية، وألا يراعي إلا الاعتبارات الخاصة بمهنته حسب مقتضيات المادة 314 من مدونة الشغل، لكن أمام الصعوبات التي قد تصادفه في مزاولة مهامه، من مضايقات أو ضغوطات من طرف المشغل قصد اتخاذ اجراءات ضد بعض الأجراء، أو تعلق الأمر بغض الطرف عن ممارسات أو مواد ضارة بصحة الاجراء داخل المقاولة او تعلق الامر بإدلاء بشهادات طبية غير صحيحة...، حيث يتضايق المشغل من طبيب الشغل الذي لا ينفذ تعليماته التي تتناقض وأخلاقيات مهنة الطب. ألزم المشرع المغربي على رئيس المقاولة بأن يقدم لطبيب الشغل كل التسهيلات الضرورية التي تتيح له، من جهة، مراقبة مدى استيفاء المقاولة لشروط الشغل، وفي مقدمتها التعليمات الخاصة التي تحث على تدابير السلامة وحفظ الصحة، عند إنجاز أشغال خطرة من نوع الأشغال المشار إليها في المادة 293، وتتيح له من جهة أخرى، التعاون مع الأطباء القائمين على علاج الأجراء، ومع كل من يمكن أن يفيده في شغله[7].

كما توجد مجموعة من المقاولات أو المؤسسات التي لا تتوفر على مصالح طبية للشغل، و هي في وضعية مخالفة لما جاء في الباب الثالث من القسم الرابع من مدونة الشغل، المتعلق بحفظ صحة الأجراء وسلامتهم، وهذا يدخل ضمن تفادى المشغل من اصطدامه مع طبيب الشغل، والذي يعتبر لا سلطة تعلو فوق سلطة المشغل داخل المقاولة.

وضمانا لنزاهة طبيب الشغل واستقلاله في ممارسته لمهامه بالمقاولة، فقد جاء المشرع بتدابير حمائية خاصة، المتعلقة باتخاذ مسطرة خاصة إزاء كل إجراء تأديبي يعتزم أخذه في حق طبيب الشغل، حيث نصت المادة 313 على أنه ((يجب أن يكون كل إجراء تأديبي يعتزم المشغل أو رئيس المصلحة الطبية المشتركة بين المقاولات اتخاذه في حق طبيب الشغل، موضوع قرار، يوافق عليه العون  المكلف بتفتيش الشغل، بعد أخذ رأي الطبيب مفتش الشغل))، فقد جعل المشرع طبيب الشغل بجانب مندوب الأجراء والممثل النقابي فيما يتعلق بالحماية من أي تأديب إلا بشروط.

والمقتضيات القانونية الخاصة بحماية طبيب الشغل جاءت في سياق المستجدات الواردة في مدونة الشغل، كما أن مسطرة الفصل التأديبي ومسطرة فصل طبيب الشغل تقتضي، كما هو الشأن بالنسبة لمندوبي الأجراء والممثلين النقابيين، تطبيق مسطرة الاستماع[8] كقاعدة عامة كما سبق الاشارة إليها. 

 

وبناء على ما سبق، ونظرا لخطورة السلطة التأديبية المخولة للمشغل، إن المشرع حرص على تنظيمها وإحاطتها بالضمانات التي تكفل عدم إساءة استغلالها، لكن قد يسيء المشغل في استعمال سلطته التأديبية تجاه أجرائه، لذا عمل المشرع المغربي على وضع بعض القواعد العامة التي تحد قانونيا من السلطة التأديبية للمشغل، بحيث يستطيع الأجير دائما اللجوء إلى القضاء طالبا الحماية منه، في حالة صدور في حقه عقوبة تعسفية أو غير قانونية، والقضاء هو الذي له الصلاحية في تحقيق مشروعية أو عدم مشروعية العقوبة.

5. مراقبة السلطة القضائية للسلطة التأديبية للمشغل

إذا كان من حق المشغل توقيع العقوبات التأديبية على أجرائه، فإن هذا الحق ليس مطلقا أو بعيدا عن الرقابة القضائية، انطلاقا من مبدأ عدم التعسف على استعمال الحق.

إن الأجير الذي يتعرض لقرار الفصل من العمل، غالبا ما يلجأ إلى مفتش الشغل، قبل رفع الدعوى أمام القضاء، وذلك من أجل إيجاد حل لمشكل الفصل الذي تعرض له، والذي يمكن اعتباره كمسطرة قبلية تليها بعد ذلك المسطرة القضائية. 

1.    مفتش الشغل ومحاولة التصالح بين المشغل والأجير

ينحصر دور مفتش الشغل في التدخل في محاولة التصالح بين طرفي النزاع المشغل والأجير، وتأكيدا على ذلك ما جاء في نص لمادة 34 من مدونة الشغل الفقرة الثانية، التي تنص على أنه ((يمكن للأجير الذي فصل عن الشغل لسبب يعتبره تعسفيا اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليه في الفقرة 4 من المادة 532 أدناه من أجل الرجوع إلى شغله أو الحصول على تعويض))، حيث تناط بأعوان المكلفين بتفتيش الشغل حسب المادة 532 الفقرة 4 من مدونة الشغل ((إجراء محاولة التصالح في مجال نزاعات الشغل الفردية)).

يقوم مفتش الشغل باستدعاء المشغل لمعرفة ملبسات النزاع الذي أدى المشغل إلى فصل الأجير، والوقوف على ما ورد في شكاية هذا الأخير، ومحاولة إجراء الصلح بينهما.

ويكون الهدف من هذه المقابلة في حالة الاستجابة لها من قبل الطرفين، أولا هو حل النزاع القائم بالاتفاق والتراضي بين الطرفين، وذلك بإرجاع المشغل الأجير الى عمله، وثانيا توافق الطرفين على اقرار الفسخ بالتراضي بينهما وعلى اثره يمنح للأجير تعويضا عن هذا الفسخ، ومن ثم يحرر محضرا في الموضوع إذا أسفرت هذه المحاولة على نتيجة.

أما في حالة فشل الصلح بين الطرفين، فإن الأجير يسلم له وثيقة المعلومات التي تتضمن مجموعة من المعطيات وتصريحات يتلقاها المفتش من الأجير، المتعلقة بمدة العمل أي تاريخ بدايتها ونهايتها، نوع العمل الذي كان يزاوله الى حدود الفصل من العمل، التعويضات التي يطلبها، حيث  يكون الإجراء بمثابة مفتاح لتحريك الدعوى أمام القضاء، إذ يعتبر مفتش الشغل بدون منازع مساعد القضاء.  

2.    الرقابة القضائية على فصل الأجير

هذه الرقابة تتولاها المحاكم بمختلف درجاتها ضمانا لسير حسن سير العدالة، بعد تقديم طلب ممن له الصفة في ذلك،  وتكمن أهمية هذه الرقابة في تمتيع الأجير بقوة القانون بالمساعدة القضائية، نظرا للظروف والوضعية التي يتواجد عليها الأجير، سواء كان مدعيا أو مدعى عليه أمام المحكمة الابتدائية وأمام محكمة الاستئناف دون المجلس الأعلى، كما ينص على ذلك الفصل 273 من قانون المسطرة المدنية[9] الذي ينص على أنه ((يستفيد من المساعدة القضائية بحكم القانون العامل مدعيا أو مدعى عليه أو ذوو حقوقه في كل دعوى بما في ذلك الاستئناف وتسري آثار مفعول المساعدة القضائية بحكم القانون على جميع إجراءات تنفيذ الأحكام القضائية)).

كما أن الرقابة القضائية قد تصل إلى التأكد من مدى صحتها وتنصيص عليها قانونيا، أم أن المشغل قد تعسف في استعمال هذا الحق، حيث يراقب القضاء مدى التزام المشغل عند ممارسة لسلطته التأديبية بالقواعد التي سنها المشرع والضمانات المقررة في هذا الشأن.

و إثبات الخطأ الذي يسند للأجير يقع على عاتق المشغل، وهي أكبر حماية قررها المشرع للأجير.

ويمكن تفادي إمكانية الخلط بين الخطأ غير الجسيم والخطأ الجسيم عن طريق القضاء في إطار ما يملكه من سلطة تقديرية عن طريق إجراء بحث في الموضوع، ويجد ذلك أساسه من خلال ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 42 من مدونة الشغل على أنه ((تخضع لمراقبة السلطة القضائية، القرارات التي يتخذها المشغل في إطار ممارسة سلطته التأديبية)).

ويبقى عبء إثبات عدم مشروعية الجزاء التأديبي مع المخالفة المرتكبة، في حالة طعن الأجير في القرار التأديبي، على عاتق الأجير[10]، كما لا يجوز على المشغل أن يوقع أكثر من عقوبة  واحدة على الأجير في المخالفة الواحدة، حيث لا يمكن قانونيا معاقبة الأجير عن نفس الفعل مرتين، بل في حالة تكرارها ينتقل إلى العقوبة الموالية طبقا للمادة 38 من مدونة الشغل، أي العمل بمبدأ التدرج في العقوبة كما هو منصوص عليها في المادة 37 من مدونة الشغل.

والخلاصة أن المقتضيات القانونية الواردة في المواد 61 و62 و63 من مدونة الشغل من الناحية المسطرية يجب أن يتم احترامها من طرف المشغل وكذا الأجير، وهي قواعد آمرة ليست من النظام العام [11] حيث لا يمكن للمحكمة إثارتها من تلقاء نفسها، بل لا بد من أن يثيرها من له المصلحة في ذلك. فالأجير الذي لم يستمع إليه يجب أن يخبر مفتش الشغل في الموضوع، وآنذاك من حق الأجير التمسك بعدم الاستماع إليه وبعدم توصله بقرار الفصل خلال المسطرة القضائية، حيث أن المحكمة تنظر في الشكل قبل المضمون، لكون المشغل لم يحترم المسطرة بأكملها، وهذا ما جاء قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالدارالبيضاء في الملف عدد 6325/2005 بتاريخ 22/6/2006 حيث جاء في إحدى حيثياته ((حيث إنه بغض النظر عن ثبوت الخطأ من عدمه، فإن الأجير قد احترم المسطرة المنصوص عليها في المادة 62 من مدونة الشغل وتوجه إلى مفتش الشغل، إلا أن المشغلة لم تحترم المقتضيات القانونية الواجبة التطبيق بعد أن تمسك بها الأجير. وحيث أنه لا يمكن تطبيق المادة 61 بمعزل عن مقتضيات المواد 62-63-64 من نفس المدونة مما يجعل الفصل الذي تعرض له الأجير في نازلة الحال فصلا تعسفيا يستحق معه التعويضات الناتجة عن الفصل...))[12] .

ج. مسطرة التقادم

 إذا كانت العقوبة التي اتخذت في حق الأجير هي الفصل، فإنه يتعين  على الأجير أن يرفع دعواه في اجل 90 يوما ابتداء من تاريخ توصل الأجير بقرار الفصل، حيث نصت المادة 65 من مدونة الشغل على أنه ((يجب، تحت طائلة سقوط الحق، رفع دعوى الفصل امام المحكمة المختصة، في اجل تسعين يوما من تاريخ توصل الأجير بمقرر الفصل.

يجب النص على الأجل المذكور أعلاه في مقرر الفصل في المادة 63 أعلاه))، أما إذا تعلق الأمر بالفصل التعسفي لعدم سلوك المشغل للإجراءات الشكلية، فإن مدة تقادم الدعوى هي سنتان بمقضى المادة 395 من مدونة الشغل التي تنص على أنه ((تتقادم بمرور سنتين كل الحقوق الناتجة عن عقود الشغل الفردية، وعن عقود التدريب من أجل الإدماج المهني، وعن عقود التدرج المهني، وعن الخلافات الفردية التي لها علاقة بهذه العقود، أيا كانت طبيعة هذه الحقوق، سواء كانت نابعة عن تنفيذ هذه العقود أو عن إنهائها))، وهذا ما أكده المجلس الأعلى بالغرفة الاجتماعية في قراره[13] عدد 938 بتاريخ 15 نونمبر 2006 في الملف عدد 968/5/1/2006 المؤرخ في 15 نونمبر 2006 الذي جاء فيه على أنه ((يبقى ما أثارته الطاعنة من كون الدعوة قدمت خارج  الأجل القانوني غير ذي أثر أمام عدم سلوك الإجراءات الشكلية الواجب اتباعها للفصل طبقا للمادتين 62 و 63 للمدونة ولا مجال للأعمال بمقتضيات المادة 65  من نفس المدونة التي تخص سقوط الحق إذ قدمت دعوى الفصل أمام المحكمة المختصة خارج أجل تسعين يوما من تاريخ توصل الأجير بمقرر الفصل مع التنصيص على هذا الاجل بالمقرر الوارد في المادة 63 فأمام غياب هذه الإجراءات يبقى ما خلص إليه القرار من أن المادة الواجب التطبيق  هي المادة 395 من مدونة الشغل ومدة التقادم بهذه المادة هي سنتان ..)).

وتبقى الخلاصة على أن المجال التأديبي ما زال في أمس الحاجة لضبط أكثر وخاصة عن طريق الأنظمة الداخلية والاتفاقيات الجماعية للمقاولات أو المؤسسات والاجتهاد القضائي، إضافة إلى التدخل التشريعي لسد الثغرات التي تعتريها المقتضيات القانونية كلما دعت الضرورة لذلك.

كما أن اتخاذ قرار الفصل (الطرد) الذي يعتبر من أشد العقوبات خطورة، يجب أن لا يترك القرار في بد المشغل وحده، بل يجب المرور عبر قنوات المجلس التأديبي الذي تحال عليه القضية من طرف المشغل بقرار كتابي يتضمن بوضوح الأفعال المنسوبة للأجير، هذا الأخير له الحق في الاطلاع على ملفه الشخصيى وعلى جميع الوثائق الملحقة، كما يمكنه أن يقدم للمجلس التأديبي ملاحظات كتابية أو شفاهية وان يستحضر الشهود، كما يمكن أن يستحضر معه مدافعا باختياره سواء كان محاميا أو شخص ذو تجربة في الميدان، وعند تواجد نقص في الملف يمكن مطالبة المجلس بإجراء بحث تكميلي في الموضوع. 

ويتكون المجلس التأديبي من المشغل أو من ينوب عنه، ومن مندوبي الأجراء والممثل النقابي عند وجوده، حيث نعتبر المجلس التأديبي هو أكثر فائدة للأجراء.     

و يجب على المقاولات أو المؤسسات التي تتوفر على الأنظمة الداخلية السهر على احترام المقتضيات الواردة في أنظمتها الداخلية.

ويكتسي تدخل مفتش الشغل دور فعال في حماية الأجير كطرف ضعيف من الفصل داخل المعادلة الشغلية، والسهر على تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية في المجال.

 

سنتطرق في المقال المقبل كجزء رابع وأخير إلى كل من:

  • ثالثا: الفصل الجماعي

1.    مسطرة الفصل لأسباب تكنولوجية أو هيكلية أو اقتصادية وإغلاق المقاولة

2.    حماية حقوق الأجراء في الفصل الجماعي

3.    معايير الفصل الجماعي