عبد القادر الحيمر

تراجعت  أسعار سكر لندن صباح اليوم 15 شتنبر 2016 إلى 539,50 بعدما استقرت يوم أمس  في 560,70 دولار للطن غير أن مختلف التقارير تتوقع ارتفاع الأسعار عند الاستهلاك، وباعتبار أن المغرب يستورد حوالي 58% من حاجياته من هذه المادة على شكل سكر خام، فإن الإقدام المرتقب للحكومة المغربية على التخلي عن دعم مادة السكر سيؤدي بالضرورة إلى رفع الأسعار عند الاستهلاك، وقد تكون آثار هذا الارتفاع على المستهلك أكثر حدة إذا ما قورنت بالطاقة، ذلك أن الإنتاج العالمي الحالي للسكر لا يساير تزايد الطلب العالمي عليه بينما توقف الحكومة عن دعم المحروقات كان قد تزامن مع تدني أسعار البترول بأكثر من النصف.

إن معدل الاستهلاك الفردي من السكر يقدر في المغرب بحوالي 36 كيلوغرام في السنة، وكلفة هذه الحصة مرشحة للارتفاع، ذلك أن مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار السكر ارتفع في غشت 2016 بنسبة 2,5 % مقارنة مع شهر يوليوز، وهو أعلى ارتفاع مسجل طيلة ستة أعوام، ويجد هذا الارتفاع تبريره في ارتفاع سعر صرف العملة في البرازيل "الريال" بحوالي 2%  مقارنة مع الدولار، ثم في كون المنظمة تتوقع أن يرتفع الإنتاج العالمي ب 2170 مليون طن أي بما يعادل 1.31%  بينما الطلب على السكر مرشح للارتفاع ب 3474 مليون طن أي بما يعادل 2,02%.

في ضل الإكراهات التي تواجه إنتاج السكر على المستوى العالمي وأمام الزيادة في مستويات الضغوطات على أسعار هذه المادة في الأسواق الدولية صارت السلطات العمومية المغربية مطالبة بإيلاء عناية خاصة بهذا القطاع الاستراتيجي لما يلعبه من دور هام على صعيد الأمن الغذائي والتشغيل والتنمية السوسيو اقتصادية،  إذ يرتبط به أزيد من 80 ألف فلاح وأسرهم بمختلف مناطق مزاولة الزراعات السكرية "الغرب – اللكوس – ملوية – دكالة  وتادلة". فأمام تعدد وتنوع التحديات الخارجية أصبح من الضروري تشجيع الإنتاج المحلي من السكر الذي لا يغطي سوى 42%  من الحاجيات الاستهلاكية الوطنية  البالغة حتى الآن حوالي 1,2 مليون طن في السنة وذلك رغم المجهودات الجبارة التي قامت بها كوسومار "الفاعل الاقتصادي الرئيسي في هذا القطاع"، والتي أسفرت عن رفع  المساحات المزروعة بالنباتات السكرية إلى 80 ألف هكتار منها 60 ألف هكتار للشمندر السكري و 20 ألف هكتار لقصب السكر، وفي نفس الوقت أسفرت عن تطوير الآلية التصنيعية حيث شرع المغرب في تصدير الفائض من السكر الأبيض "غير المدعم" إلى عدة دول مثل موريتانيا – غينيا كوناكري – سوريا – كندا – تركيا ألبانيا وهولندا.

إن المغرب الذي اجتاز بنجاح مرحلة خوصصة معامل السكر، مطالب اليوم باستحضار النتائج السوسيواقتصادية التي جناها من التركيز على حماية منتجي النباتات السكرية وعلى تطوير هذا الصنف من الزراعة، فكما أنه ربح رهان المرحلة الأولى من تأمين حاجياته من السكر الأبيض بأسعار متحكَّم فيها فإنه صار مطالبا بالانتقال إلى مرحلة جديدة ليقلص أولا من حدة تبعيته للأسواق الدولية وليدعم ثانيا النشاط التصديري لهذا القطاع الذي شهد تطورا ملموسا في السنوات الأخيرة وصار يتوفر على آفاق واعدة خاصة في القارة الإفريقية التي تعاني من خصاص كبير ومتزايد في هذه المادة.

الارتفاع المرتقب في أسعار السكر يتطلب منا استحضار بعض المعطيات الوطنية والدولية لعل ذلك يساعد على تفادى أخطاء الماضي ويحول دون السقوط في هفوات من قبيل التصريح الحكومي الذي عوض أن يعالج بجدية إشكالية ارتفاع كلفة الإنتاج بفعل ارتفاع أسعار المواد الطاقية مند يونيو 2012، فإنه هدد بإغلاق "كوسيمار" في حال إقدامها على رفع أسعار السكر. من حسن حظ المغرب أن تدني أسعار البترول في الأسواق العالمية من ما يزيد عن 110 دولار للبرميل إلى حوالي 50 دولار للبرميل، حال دون الوصول إلى ما لا يحمد عقباه وتمكنت كوسومار من الاستمرار في الإنتاج مع الحفاض على نفس الأسعار، ولكن من سوء حظ المغرب أن تزامن تحرير سوق المحروقات مع انخفاض أسعار البترول ساهم في إفلاس مصفاة "سامير" للبترول رغم دورها الاستراتيجي ومكانتها الاجتماعية، فكون الحكومة أخفقت في معالجة هذا الملف وفرضت على المغرب الاعتماد كليا على الاستيراد في تلبية حاجياته من المحروقات بعدما كان البرنامج الاستثماري المصادق عليه في هذا القطاع يرمي إلى تطوير القدرات الإنتاجية ليتم تصدير الفائض إلى الخارج، فإنه ورغم الفوارق بين حالتي البترول والسكر لابد من الحرص على حماية المكتسبات وعلى الاستفادة من أخطاء الماضي.

قد يقول قائل بأن المغرب الذي صار يعاني من ارتفاع قيمة الديون الخارجية تقلصت قدراته على مواجهة توصيات المؤسسات المالية الدولية التي غالبا ما تضع مصالح مانحي القروض فوق حقوق المواطنين، ولكننا وفي حالة السكر بالذات نستحضر تجربة الشقيقة مصر التي صار فيها استيراد السكر الأبيض يهدد في مرحلة أولى بإغلاق معامل التكرير وفي مرحلة ثانية بارتفاع أسعار السكر في أسوقها الداخلية .

لقد فرض علينا الواقع ا ن نتفادى المقارنة مع الجزائر لأنها تستورد سنويا حوالي 1,93 مليون طن من السكر الأبيض وتخضع بالضرورة كليا لمنطق تقلبات السوق الخارجية، وبالمقابل اخترنا المقارنة مع مصر لأن تقارير وزارة الزراعة المصرية تفيد بأن إنتاج مصر من السكر بلغ خلال العام الجاري 2.2 مليون طن منها 1,25 مليون طن من سكر الشمندر "البنجر" أي ما يعادل 57 % من الإنتاج الإجمالي ومنها حوالي مليون طن من قصب السكر أي ما يعادل 43% من الإنتاج الإجمالي، وبذلك فإن مصر تعاني من خصاص سنوي يقدر ب 900 ألف طن من السكر لتغطية الحاجيات الوطنية البالغة 3,1 مليون طن، أي أن الإنتاج الداخلي يغطي 71% من الحاجيات بينما الاستيراد يمكن أن ينحصر في 29%

كل ما في هذه التقارير يوحي بأن مصر تسير نحو بلوغ الاكتفاء الذاتي والتوجه نحو التصدير، ولكن آخر المعطيات تفيد بأن فتح بوابة استيراد السكر الأبيض مند يناير 2016 خلق أزمة مصطنعة كان من نتائجها أن حقق التجار أرباحا خيالية على حساب المواطنين الذين صاروا يعانون من ارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية وكذلك وأساسا على حساب الشركات الحكومية والصناعة الوطنية التي اضطرت إلى تكديس إنتاجها في مخازن المصانع الحكومية الثمانية وإلى الدخول في نزاعات مع الفلاحين لأنها، بفعل ضعف السيولة، لم تصرف لهم إلا حوالي 50% من مستحقاتهم، ومن الطبيعي أن يسفر هذا الوضع عن اضطرار الفلاحين إلى تعويض زراعة النباتات السكرية بنباتات أخرى وهو وضع يستحيل التغلب على عواقبه اعتمادا على الاستيراد.

نسوق هذا المثل كذلك لننبه إلى أن تسيير الشأن العام لا يتحقق بالاعتماد على الحظ أو على البركة أو على غيرها من الأمور التي يصعب التنبؤ بها، ونسوقه لنؤكد أيضا على أن أمام المغرب فرص كثيرة يمكنه أن يستفيد منها إن هو أحسن استغلالها قبل فوات الأوان، فكما أن قطاع السكر يهم في مصر حوالي 2 مليون فلاح ومستخدم ومناول، فإنه يهم في المغرب حوالي 80 ألف فلاح وأسرهم ويهم كذلك نشاطا يوفر سنويا مليون يوم عمل في المجال الفلاحي و5000 منصب في الصناعة منها 2000 منصب مباشر كما أن مجرد نقل النباتات السكرية يوفر رقم معاملات في حدود 250 مليون درهم تستفيد منها حوالي 1400 شاحنة وحوالي 4200 من اليد العاملة في مجال الشحن. قد يكون بإمكان الاستيراد أن يؤمن خلال فترة زمنية محدودة تلبية حاجيات السوق الوطنية بأسعار منافسة، ولكن حتى وإن تحقق له ذلك فإنه سيكون على حساب كل الفئات السالفة الذكر وعلى حساب التنمية القروية التي تعتبر أهم وسيلة للحد من الهجرة القروية.

إن المغاربة يتجرعون اليوم مرارة عجز الحكومة المغربية عن إعادة تشغيل مصفاة سامير ويتحملون يوميا أداء فاتورة المحروقات بقيم تزيد بكثير عن القيم التي كانت ستكون عليها فيما لو تم تطبيق نفس المساطر التي كانت معتمدة في مراجعة الأسعار، إنهم اليوم يواجهون مخاطر عجز حكومي في معالجة تقلبات أسعار السكر المرتقبة، إنهم يواجهون مخاطر الدفع بالفئات التي يرتبط مصدر عيشها بإنتاج النباتات السكرية وبتصنيع وتوزيع السكر إلى التعرض لنفس الوضع الذي أصاب المرتبطين بتكرير النفط، فرغم أن وضع أسعار السكر لا يزال مستقرا في المغرب  إلا أن المتحكمين في القرار السياسي والاقتصادي مطالبون اليوم بإعداد سيناريوهات الإجراءات الممكن اتخاذها لمواجهة التحولات المرتقبة جراء المعطيات الدولية المتمثلة في أن  الطلب العالمي على الواردات من السكر سينخفض ب 2,68 % بينما توفُّر التصدير سينخفض ب 3,23% في حين أن المخزون العالمي سيتراجع بحوالي 7 مليون طن أي ب 8,43%.

نود في الأخير أن نشير إلى أن القنوات الإعلامية الغربية صارت تركز في حملاتها الإشهارية، وحتى في برامجها، ليس فقط على استهلاك المنتوج الوطني وإنما على استهلاك المنتوج المحلي، وقد لا نكون أخطأنا الصواب إن نحن أكدنا على أن المغرب لم يعد من حقه أن يفرط في قطاع استراتيجي ثالث بعدما عانى ويعاني من تبعات التفريط في قطاعي النقل البحري وتصفية البترول، ومن يسعى فعلا إلى ربط علاقات قوية مع دول القارة الإفريقية ليس له من خيار غير حماية وتطوير منشئاته الاقتصادية التي بدونها سينعدم المنتوج القابل للتصدير وستفقد العلاقات أحد ركائز استمراريتها وديمومتها، وهل لنا أن نذكر بأن الطلب الإفريقي على السكر جد مرتفع ومرشح للمزيد من الارتفاع؟