د. رشيد المسطاسي

 

كتبت جريدة أخبار اليوم أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي صادق بناء على توصية رئيس الحكومة على إعطاء الضوء الأخضر بإلغاء مجانية التعليم الثانوي والعالي مع المحافظة على مجانية التعليم الأساسي إلى سن الخامسة عشر. إن هذا القرار سيجعل ولوج التعليم العالي والثانوي شيئا صعبا على الطبقات المتوسطة إذا استحضرنا مستوى كلفة التعليم، ويجعل التعليم يسير بدرجات مختلفة حسب إمكانيات الأسر، ولنا في تجربة التعليم الخصوصي مثالا واضحا على هذا. وسيصيب المستوى التعليمي المتدني أصلا بعوائق ومطبات لا يعلم إلا الله نتائجها.

 إن الدولة ملزمة ببدل كل مستطاعها لتحقيق العيش الكريم لمواطنيها بما فيها حق الصحة والتعليم والسكن والغذاء والتنقل والحصول على الكهرباء والماء بشكل يجعل المواطنين سواسية ويفتح لهم مجال التقدم في الحقل الاجتماعي.

إن هذا الدور الاجتماعي للدولة هو الذي يكوّن المواطن الصالح والمجتمع الصالح حيث يكون المصعد الاجتماعي صالحا، مما يحافظ على أمن المجتمع وتقدمه. وحتى في الدول الرأسمالية كفرنسا وبلجيكا وإسبانيا فإن الدولة حافظت على مبدأ مجانية التعليم رغم أننا لا ننكر أن هناك تعليما خصوصيا موازيا، ولكن التعليم العمومي هو الضمانة الوحيدة للمحافظة على المستوى الثقافي والتعليمي لأي بلد ويشكل القاطرة لتكوين المواطن الصالح الواعي بحقوقه وواجباته، وقد قيل من قبل في التراث الإسلامي أنه لولا أبناء الفقراء لضاع العلم. وكان أسلافنا يستعملون الوقف لأداء أجور الأساتذة في المساجد والجامعات الإسلامية ومن المؤسف أن توصية إلغاء التعليم جاءت من رجل تعليم. إن هاته التوصية، التي لم تر إلا الناحية المالية فيما يخص مقاربة التعليم في المغرب، قد تؤدي إلى نتائج لا يعلم إلا الله مداها. إن التعليم الجيد الذي يسمح لكل المواطنين حسب قدراتهم بالتطور والتقدم ويمكن الوطن من تنمية مستدامة متجانسة وتستجيب لمتطلبات العصر وللتقدم وتمكن من تكوين مواطن صالح يعرف حقوقه ويؤدي واجباته وتعطيه الأمل في تسلق الدرجات الاجتماعية ويمكن من عدالة وتنمية متوازنة، نعم إن هذا التعليم يتطلب نفقات كبيرة ولكنه يجب مقاربته على أنه الاستثمار الأول حيث أن المواطن والإنسان هما الثورة الأولى لأي بلد كان ولولا أن المغرب كان من أول الاستقلال قرر مجانية التعليم لما استطاع أن يكوِّن أطرا وكفاءات تسير البلاد حاليا وترفع رأسه عاليا في الخارج.

يجب أن نعلم أنه في هذا الميدان لا يمكن أن تكون المقاربة المالية وحدها معيارا. إنه استثمار اجتماعي تؤدي فيه الدولة دورها الاجتماعي ويطلب تضحيات من كافة الطبقات إذ أن تخلي الدولة عن واجبها في الميادين الاجتماعية وخصوصا التعليم قد يؤدي إلى انحسار اجتماعي وثقافي ومدني. ولهذا نرى أن الدول الأوروبية، رغم موجة اللبرالية ما زالت تحافظ على مبدأ مجانية التعليم بمختلف أطواره وتزيد في فترة إلزاميته وتعتبره استثمارا لا يدخل فيه المنطق الربح والخسارة المادي، وإن حقوق المواطنة لا تكون مقاربتها مادية فحسب وتكون في نطاق نظرة استراتيجية اقتصادية واجتماعية تمكن المجتمع والمواطن من أن يواجه مختلف التحديات وتجعل للوطن موقعا ضمن العالم الحالي وإننا نرى حاليا كيف أن المفهوم التاتشيري نسبة إلى السيدة تاتشر والريكا ني، نسبة إلى ريكان، بدأت تظهر مساوئها ومحدوديتها حتى في مهدها، وهو بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وصارت تواجه أكثر فأكثر انتقادات لاذعة وتدمرا من طرف مواطني هذه الدول. إن تلبية حاجيات المواطنين هي التي تخلق المواطن الصالح الذي يؤدي واجباته على أكمل وجه وتمكن من العدالة والتنمية.

إن التعليم العمومي بفضل وحدة برامجه وتعميم أساليب التكوين يمكن المجتمع من تحقيق تجانس فكري ويعمق هوية المواطنة والانتماء إلى الوطن محافظا على التنوع الثقافي للبلاد ومنفتحا على الثقافات الأخرى.