عبد القادر الحيمر

كانت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية قد حددت سنة 2016 قيمة مصاريف الحج لموسم 1437 هـ سواء بالنسبة لتنظيم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمحددة في 46.922 درهم غير شاملة لمصاريف الجيب، أو لتنظيم وكالات الأسفار السياحية المرخص لها بتنظيم الحج، حسب السعر والمنتوج المحددين بالقسيمة التي تسلمها وكالة الأسفار السياحية، وقبل ذلك بثلاث سنوات كانت نفس الوزارة قد حددت قيمة مصاريف الحج في 43000 درهم.

قد يبدو لأول وهلة أن كلفة أداء فريضة الحج ارتفعت بحوالي 4000 درهم فقط ولكن، بغض النظر عن انخفاض الكلفة الحقيقية للنقل عبر الطائرة بفعل الانخفاض المتواصل لأسعار البترول، فإن المثير للانتباه هو أن الزيادة في فاتورة الحج كانت مصحوبة بتقليص أيام الإقامة في الديار المقدسة من ما بين 30 و 40 يوما إلى حوالي 15 يوم فقط، ووفق معطيات الوضع الجديد فإن الانطلاق من كون تذكرة الطائرة تنحصر في حوالي 4000 درهم فهذا معناه أن كلفة الإقامة لمدة 15 يوم الشاملة لوجبتي الإفطار والعشاء محددة في حوالي 43000 درهم أي أن الإقامة في غرف تأوي 4 حجاج أو أكثر تكلف حوالي 2870 درهم لليلة وهو سعر خيالي إذا ما قورن بعروض الرحلات السياحية إلى باقي مختلف دول العالم أو بعروض الفنادق المغربية التي لا تتوقف عن الرفع من مستوى جودة خدماتها.

لقد كانت مداخيل المملكة العربية السعودية من الحج، ولا تزال موضوع انتقادات عدة تجاوزت حدود الدول الإسلامية مثل الجزائر التي سجلت بأن كلفة الحج ترتفع بحوالي 18% في السنة، لتشمل قادة أجانب من قبيل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي سبق لها أن دعت إلى توزيع مداخيل الحج على الفقراء المسلمين هذا دون الأخذ بعين الاعتبار التصريحات التي قد تكتسي طابعا سياسيا مثل تلك الصادرة عن إيران أو تركيا، وكانت هذه الانتقادات تتردد في ظرفية مختلفة تماما عن الظرفية الحالية لأن الحرب التي تقودها السعودية في اليمن باهظة الكلفة ولأن ارتفاع فاتورة الإنفاق العسكري تزامنت مع تدني أسعار البترول إلى مستويات في حدود 50 دولار للبرميل بعدما كانت قد بلغت أكثر من 115 دولار للبرميل.

لقد لعبت السعودية دورا هاما في تطبيق المخطط الأمريكي الرامي إلى إضعاف روسيا من خلال خفض أسعار البترول، ولكن السعودية لم تعد قادرة على فرض رفع أسعار البترول إلى نفس المستوى الذي كانت عليه أو حتى إلى المستوى الذي يحميها من الاضطرار إلى اعتماد سياسة التقشف واتخاذ إجراءات من قبيل تخفيض رواتب ومكافئات الوزراء والموظفين، وبعد أن صارت الولايات الأمريكية جاهزة لتحريك دعاوى قضائية ضد المملكة العربية السعودية تحت غطاء ما أصبح يعرف بقانون 11 شتنبر المثير للجدل، فإن اللهف الأمريكي للاستحواذ على البترودولار السعودي ولإضعاف الدول المجاورة لإسرائيل لا يمكن أن يحدّ منه إلا الجبروت الروسي الذي يفرض سياسته في معالجة الوضع بسوريا ومن خلالها باقي دول الشرق الأوسط، وفي خضم هذا الوضع النيوديموقراطي فقد تضطر السعودية إلى البحث عن رفع مداخيلها من السياحة الدينية عبر المزيد من الإجراءات التي ترفع فاتورة أداء مناسك الحج والعمرة.

كل المؤشرات ترجح التوجه نحو هذا الخيار، ذلك أنه على عكس كل الدول التي تستثمر في الحملات الإشهارية من أجل جلب المزيد من السياح، فإن المملكة العربية السعودية فرضت نظام الحصص على الدول الإسلامية لأن الطلب يفوق بكثير طاقتها الاستيعابية ولأن ارتفاع الطلب سيستمر ما دام أن المسلمين لا يتوجهون إلى الديار السعودية حبا في السعودية وإنما تقربا من الله عز وجل وبحثا عن الفوز بالقيام بالركن الخامس من أركان الإسلام، وعن جني حسنات العمرة، فمن تتوفر فيه شروط وجوب أداء فريضة الحج يصبح جاهزا لتحمل المشاق والنفقات لأن الثواب الذي يسعى إليه لا يقاس بثمن.

  لم تتحدد بعد القيمة النهائية لكلفة الحج، ولكن في حالة الاستمرار في سياسة رفع الأسعار فإن فائض القيمة الإضافي ستكون له انعكاسات وخيمة على سمعة المملكة العربية السعودية وعلى طريقة أدائها للدور الإسلامي المنوط بها، فالحجاج هم ضيوف الرحمان، وأي عبث بحقوقهم  الله وحده يعلم جزاءه، ليس فقط لأن في ذلك إلحاق الضرر بالحجاج ولكن كذلك لأن الظرفية التي نجتازها تتميز باستغلال العديد من الأطراف السياسية للتطرف الديني في الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، وخاصة منهم الذين يعيشون خارج الدول الإسلامية.

لعل الطريقة التي تم بها تمرير قانون 11 شتنبر رغم فيتو الرئيس الأمريكي باراك أوباما عليه، تعكس توجهات المجتمع الأمريكي ومن ورائه قادة التيارات السياسية الغربية التي تسعى إلى تقوية صفوفها اعتمادا على فرض قرارات مناوئة للإسلام والمسلمين، وكل من يسعى إلى الصمود أمام الهجمات الغربية على الإسلام لابد له أن يستحضر التعاليم الإسلامية الحقيقية وأن يقاوم الشعارات المتطرفة من قبيل الوقوف ضد السياسية السعودية عبر الامتناع عن أداء مناسك الحج، إن أملنا هو أم نرى عدد الحجاج يرتفع سنويا من حوالي 1,8 مليون الحالية إلى ما يزيد عن 3 ملايين في السنة، وأن تمر مناسك الحج في ظروف آمنة، وأن يعود الحجاج إلى ديارهم وهم أكثر إيمانا بالله وأكثر التزاما بتعاليم الإسلام، إن ما ندعو إليه هو أن تكون كلفة الحج في حدود المعقول وبعيدة كل البعد عن المتاجرة بالإسلام، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.