بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

 

سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي تراجعت عن كل إجراءاتها التي اتخذتها بعد الرابع عشر من هذا الشهر، وفككت البوابات الالكترونية التي نصبتها وكانت شرارة الغضب، وأزالت الجسور والمسارات المعدنية، ورفعت الكاميرات الحساسة والعادية، وفتحت الأبواب وسلمت المفاتيح، وسمحت للمصلين بالدخول إلى باحات المسجد والصلاة فيه، واعترفت بشروط المرجعيات المقدسية والأوقاف الإسلامية، وكفت عن وضع الشروط والعقبات، وخضعت للإرادة الفلسطينية الموحدة، إلا أنها رغم مظاهر الهزيمة ودلائل الانكسار، لا تريد أن تقبل بهزيمتها في هذه المعركة التي فتحتها، وأن تعترف بانتصار المقدسيين الذين واجهوها وصبروا، وأن تقر بتراجعها المؤلم وثبات الفلسطينيين المشرف، وأن تقبل باستعادة المسلمين حقوقهم في مسجدهم، وانكفائها إلى الوراء حيث كانت، وانهيار أحلامها الكبيرة تحت أسوار المسجد الأقصى.

لكن أحداً لا يستطيع أن يخفي صورة الهزيمة ولا أن يطمس معالم الانكسار، ولا أن يزين ويجمل الصورة التي اهتزت لتغدو زيفاً نصراً، إذ كان يبدو على وجوه عناصر الشرطة وجنود جيش الاحتلال وموظفي بلدية القدس الذهول الشديد، وطغى الوجوم على هيئاتهم، وبدا الشرود في نظرات عيونهم، رغم البنادق التي يحملون، والأسلحة التي بها يستقوون، والهراوات التي بها يضربون، إلا أن أقدامهم كانت تتعثر، وخطواتهم تتباطئ، وكلهم يلتفت إلى الوراء، وكأنه يتساءل ما الذي حدث، وكيف سقطت هالة الجيش وتبددت سطوته، وكيف تراجعت حكومتهم وخضع رئيسها وأضاع الفرصة وأصدر أوامره لهم بالتراجع والانكفاء، والتوقف عن المداهمة والاعتداء.

الصورة الثانية مختلفة وهي تتحدث عن نفسها، وتعبر عن حالها بكل صراحةٍ ووضوح، ولا تحتاج لمن ينقلها أو يفسرها، إذ كل شئٍ فيها ينبئ بالانتصار ويشي بالفرح، الأعداد الغفيرة القادمة من كل مكان، والجموع المحتشدة على الأبواب، وأصوات التهليل والتكبير التي يصدح بها المرابطون وكأنهم في يوم عيدٍ، يتدافعون كسيلٍ، ويأخذون بأيدي بعضهم وكأنهم موجٌ أو في حجٍ، ويغذون الخطى نحو المسجد مشياً وهرولةً، زرافى وجماعاتٍ، يهنئون بعضهم، ويباركون لأنفسهم، ويتبادلون الابتسامات والعناق، ويسارعون بالمصافحات والسلام، وأهازيج النساء ودعائهن يسبقهن، وزغاريدهن وبكائهن يميزهن، وكلماتهن تحذو الركب وتحفز الرجال، وهن اللاتي تصدرن الصفوف في لرباط سرباً باسلاً، وواجهن بعزمهن جحافل العدو، والعيون تتحدى والقبضات ترتفع، والأصوات تعلو والخطى تغذ، وكلٌ يرسل إلى جنود العدو نظراتٍ فيها عزة الانتصار وفرحة الشعب المكلوم، وتحمل في آنٍ معاني التحدي والإرادة، والعزم والمضاء، والصدقِ والثبات واليقين.

أمام هذا النصر الفلسطيني المرسوم أمام عيونهم زحفاً، والمتعالي في السماء قوساً، والهادر بصوته المجلجل كرعدٍ كأنه يسمع الجوزاء في أبراجها صوت تهليله وصيحات تكبيره، وفي مواجهة الحشود المتتابعة كأمواجٍ لا تمل ولا تتعب، ولا تقف ولا تتراجع، وآلاف المصلين الذين انتظروا بعشقٍ وشغفٍ ساعة دخولهم إلى الحرم، تحاول سلطات الاحتلال بكل مستوياتها السياسية والأمنية والعسكرية، أن تفسد فرحة الفلسطينيين، وأن تنغص عليهم يومهم، وأن تبطل صلاتهم، وأن تشوه انتصارهم، وأن تنتقص منه الكثير ليبدو مشوهاً ناقصاً، أو مزيفاً كاذباً، فهذا الانتصار في حلوقهم مرٌ، وفي عيونهم قذى، وفي نفوسهم مرضٌ، يلاحقهم كشبح، ويعيش معهم ككابوس، ولا يفارقهم كعلةٍ مزمنةٍ، فكان قرارهم الخبيث وسعيهم اللئيم بمحاولة الانقلاب.

فقد أبقت ابتداءً على باب حطة مغلقاً، ولم تسلم الأوقاف الإسلامية مفاتيحه، وهو الباب الذي يسكنه مقدسيون أصلاء، كان لهم دورٌ مشهودٌ في المعركة، وسهمٌ كبيرٌ في الرباط، إذ فتحوا أبواب بيوتهم لاستقبال المرابطين، وقاموا على خدمتهم، ووفروا لهم ما يحتاجون إليه من ماءٍ وطعامٍ وشرابٍ، وكراسي لراحة الكبار وسلامة المسنين، وهيأوا الأماكن المناسبة لرباطهم وقضاء حوائجهم.

إلا أن الذين صمدوا في مواجهة العدو أياماً، وأرغموه على النزول عند شروطهم ذليلاً، لم يعيهم كسر إرادته، وإجباره على التراجع عن قراره، وإعادة فتح باب حطة كغيره من الأبواب التسعة الأخرى، ولم تخيفهم قوته، أو ترعبهم عدته، وهو الأمر الذي كان، إذ فُتحَ البابُ عنوةً، ومنه دخل آلاف الفلسطينيين إلى باحات الحرم قبيل أذان العصر، ولسان حالهم يقول لعدوهم أننا ندخل إلى مسجدنا بعزةٍ من حيث أردت منعنا.

لم ييأس العدو من محاولاته التنغيص على الفلسطينيين، فاقتحم مسجدهم، ولاحق كل من كان فيه، وأطلق النار الحي والمطاطي عليهم، وأصاب بها وبقنابله الصوتية المخيفة أكثر من مائة فلسطيني، واعتقل مثلهم وأكثر من المتواجدين في المسجد، واعتلى جنوده قبة الصخرة المشرفة، وأنزلوا الرايات والأعلام التي كانت فوقها، واستدعى وحدات عسكرية خاصة، مهيأة لأعمال القمع وفض الاعتصامات ومواجهة المتظاهرين، وجلب عناصر شرطة جديدة وقفت على البوابات، وأخذ يضرب العابرين منها بالهراوات وأعقاب البنادق، ويدفعهم بغلظة ويعاملهم بقسوة، ويهددهم بإجراءاتٍ أشد، وكأنه ينتقم منهم نيابةً عن الشعب كله الذي انتصر عليهم، وفرض إرادته على حكومتهم.

لن يقبل الفلسطينيون أن ينغص عليهم العدو فرحتهم، ولا أن يسلبهم نشوتهم بالنصر، أياً كانت إجراءاته معهم وممارساته ضدهم، ومهما كانت حيله وخططه، فإنهم سيحافظون على مسجدهم، وسيشدون إليه الرحال وسيصلون فيه كل يومٍ، فهم قد أعدو لهذا اليوم عدته، واستعدوا أن يلاقوا الله ربهم في سبيل أقصاهم شهداء، وقد قدموا بعضهم وسيكون على الطريق غيرهم، إذ أنهم يعلمون أن المعركة مع هذا العدو الخبيث الغادر لم تنتهِ بعد، وأن فصولها القادمة كثيرة ومتعددة الأشكال، وأنه لن يتوانَ عن اللجوء إلى أي وسيلة في سبيل قهرهم وانتزاع النصر الذي حققوه من بين أيديهم.

غداً ستكون صلاة الجمعة، وستكون صلاةً عظيمةً، وسيؤمها الفلسطينيون من كل مكانٍ، وسيدخلون المسجد الأقصى مهللين مكبرين، لله حامدين وله شاكرين، رؤوسهم عالية، وقاماتهم ممشوقة، وهاماتهم مرتفعة، وخطاهم حثيثة، وأصواتهم عالية، وإيمانهم بحقهم كبير، وستكون خطبة النصر من فوق منبر صلاح الدين الأيوبي، يهدون إليه نصرهم، ويعيدون معه مجدهم، ويعدونه بنصرٍ مزلزلٍ كنصره، وتحريرٍ ناجزٍ كيومه، فهذه أمانةٌ عنه ورثوها، وعهدٌ له يحفظونه، ووعدٌ له يقطعونه، وسيقسمون بالله له أن يبقى سيفه مجرداً، ورايته مرفوعة، حتى يعود منبره حراً كما كان، ومسجده مطهراً كما أراد. 

بيروت في 28/7/2017