الصورة: شاطئ طوريس وخلفه شاطئ قوس قزح - كالا إيريس 

عبد القادر الحيمر

وفّر الطريق الساحلي المتوسطي لزوار الأقاليم المغربية الشمالية والشمالية الشرقية فرصة لا تعوض أمام كل من يبحث عن المتعة بالمناظر الطبيعية الخلابة  وبالهواء النقي ، فمجرد التنقل بين الضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط وبين جبال الريف يمنح مشاهد تغري بالتوقف بين الفينة والأخرى للتمعن في اللوحات الطبيعية التي تزاوج بين ألوان مياه البحر وبين الأشكال الرائعة التي تميز تضاريس وتربة ونباتات المنطقة الجبلية، أما السحب فغالبا ما تزيد المشهد رونقا وخاصة في فترتي شروق وغروب الشمس.

في السنوات الأخيرة استطاعت كل من طنجة وتطوان وأصيلا والمضيق أن تكسب رضى الأسر المغربية التي صارت تجد في هذه المدن وضواحيها ملاجئ لقضاء العطل السنوية كما أن مجموعة من المدارس والجمعيات صارت تنظم رحلات استطلاعية إليها على مدار السنة، أما الآن فبرزت مدن شمالية أخرى كمحطات سياحية تبهر زائريها رغم أنها لم تنل بعد نصيبها من الاستثمار في المرافق السياحية.

لقد انتهى عهد التخوف من مخاطر التنقل إلى المناطق الريفية عبر طريق الوحدة، وصار من الممكن التنقل بأمان بين طنجة ووجدة مع الاستمتاع أثناء السفر بمناظر خلابة لا تقل روعة عن تلك المميزة لطريق الوحدة.

المسافة الفاصلة بين تطوان والحسيمة تقدر بحوالي 230 كلم، ومدة الرحلة لا تقل عن 4 ساعات بالنسبة لمن يحترم قانون السير، وقد تصل إلى أكثر من 10 ساعات بالنسبة لمن يريد فعلا أن يجعل من سفره متعة قل نظيرها، إن الطريق يمر عبر مواقع تضاهي بعضها البعض، ومن أهم المواقع التي تغري بالتوقف نخص بالذكر شاطئ أزلا – واد لاو وسطيحات التي تبعد عن تطوان بحوالي 70 كيلومتر، أما الشطر الثاني فإنه يمتد على مسافة 160 كيلومتر ويمر عبر مواقع سياحية خلابة مثل أمتار والجبهة.

على طول الطريق صارت ظاهرة كراء الشقق المفروشة تنتشر، ومع ذلك فإن أسعار الإيجار لا تزال دون مستوى طموحات الملاك الذين يرون أن الطابع الموسمي لنشاطهم المنحصر في شهرين أو ثلاثة في السنة لا يكفي لسد حاجياتهم، غير أنها لاتزال في نفس الوقت فوق القدرة الاستهلاكية لذوي الدخل المحدود، وعلى العموم يمكن القول أن سعر إيجار شقة توفر الحد الأدنى من شروط الراحة والنظافة يتراوح بين 300 و 400 درهم لليلة، أما بالنسبة لباقي الأسعار فيمكن أن تنزل إلى أقل من 150 درهم كما يمكن أن تزيد عن 1200 درهم لليلة ، ولعل في هذا ما يشجع على الحجز المبكر وعلى تفادي النصابين الذين يمكنهم أن يتراجعوا عن التزاماتهم دون خجل أو حياء لمجرد أن زبونا آخر عرض عليهم مبلغا أكبر أو استأجر منهم الشقة لمدة أطول.

الجو بالمناطق الريفية صحي ويساعد على تقليص ساعات النوم وقضاء أطول مدة في المتعة بما تجود به الطبيعة، فابتداء من شروق الشمس وإلى ما بعد منتصف الليل تكون الشواطئ جاهزة لاستقبال زوارها ولمنحهم إما فرصة الإحساس بالسعادة والسكينة والهدوء، وخاصة بالنسبة للذين يستيقظون مبكرا، وإما فرصة الانخراط في الأنشطة التي تنظم كل موسم بمشاركة فنانين من مختلف المستويات بالنسبة لعشاق السهر.

الشواطئ الشمالية في مجملها نظيفة، وقد تكون أنظف فيما لو التزم كل زائر برمي الأزبال في الأماكن المخصصة لها حتى لو تطلب منه ذلك حملها إلى مقر إقامته، وفي جل الشواطئ  انتشرت أنشطة إيجار الشمسيات والكراسي والطاولات لكن الأسعار لا تزال عموما مرتفعة، ومن باب المقارنة فإن احدهم يعرض 6 كراسي وشمسية وطاولة ب 80 درهم بينما المقهى المجاور يمنح ل 6 زوار مشروبات ساخنة وجيدة في مكان ظليل يطل على البحر بحوالي 70 درهم.

من ميزات مناخ المناطق الشمالية أنه يقلل من الإحساس بالعياء ويزيد من شهية الأكل، وإذا كان هذا الوضع يساعد على اقتناء المنتجات الغذائية المحلية وخاصة منها التين والتين الشوكي" الكرموس"  والبطيخ الأصفر، فإنه يستحسن الاعتماد على الذات في تهييئ باقي الوجبات، ذلك أن الطابع الموسمي للنشاط السياحي يفرض الاستعانة بمستخدمين يفتقرون إلى الحد الأدنى من الكفاءة المهنية، بل إن المنتجات المعروضة للبيع وخاصة منها اللحوم، كثيرا ما تكون من النوع الرديء.

من المؤكد أن الطريق الساحلي المتوسطي سيساعد على جلب المزيد من المستثمرين والسياح وخاصة منهم الأجانب الذين سيكتشفون أن المواقع السياحة الطبيعية بالساحل الشمالي المغربي أحسن بكثير من تلك التي تميز السواحل الجنوبية للدول الأوروبية المتوسطية، وهذا الامتياز يعتبر سيفا ذا حدين فبقدر ما أن تغليب منطق السياحة البيئية المسؤولة يوفر المزيد من إمكانيات تحقيق التنمية المستدامة، فإن هيمنة منطق البحث عن الربح السريع وطغيان التعامل المبني على المحسوبية والزبونية وغيرهما يمكن أن يعبث بهذا الكنز الطبيعي الثمين ويسحب منه كل ما هو رائع فيه، فمن لم يكتشف بعد المواقع السياحية بالمناطق الريفية  فما عليه إلا أن يتدارك ما فاته، وقد لا نكون مبالغين إن قلنا بأن زيارة هذا الكنز السياحي المغربي أولى من الرحلات السياحية إلى الخارج خاصة أن نفقات شخص واحد في رحلة خارجية يمكن أن تغطي نفقات أسرة بأكملها في رحلة إلى سواحل جبال الريف.