عبد القادر الحيمر

من المفترض أن تكون الأحزاب المغربية قد شرعت في وضع اللمسات الأخيرة على البرامج التي ستعرضها على المواطنين خلال الحملة الانتخابية من أجل الفوز بأكبر عدد من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي ستجري يوم الجمعة 7 أكتوبر 2016، غير أن هذه البرامج، التي كانت بالأمس القريب تعتمد كأرضية لمناقشة الخيارات المتضاربة، افتقدت أهم مقوماتها، إذ بدل أن تكون ميثاقا يُلزم الأحزاب باعتمادها كأرضية لتحديد القرارات الحكومية المزمع تنفيذها، فإنها صارت مجرد وثيقة تنتهي صلاحيتها بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة.

الحملة الانتخابية هي الإطار الرسمي الذي تستعمل خلاله الأحزاب المال العمومي ووسائل الإعلام الرسمية من أجل إقناع الناخبين بالتصويت على مرشحيها، لكن الحملة الحقيقية تنطلق مع انتهاء آخر انتخابات، إنها تقوم على التنظيم المحكم وعلى السلوك اليومي الذي يحدد مدى مطابقة العمل لمضامين الخيارات والبرامج المعلن عنها، فالتكامل بين الحملة الحقيقية والحملة الرسمية هو الذي يزيد من حظوظ الفوز في الانتخابات، ومع ذلك يبقى من الصعب على الناخب أن يحدد من هو الحزب الذي سيكون مستعدا لتقديم استقالته من الحكومة في حال ما إذا تبين له ان الحكومة التي يرأسها تنفذ برامج لا تفي حتى بالحد الأدنى من البرنامج الذي تبناه في الحملة الانتخابية، بل يصعب عليه حتى الانضباط لمنطق التحالفات الحكومية والوفاء بمضامين التصريحات السابقة.

خلال العقود الأخيرة عرفت الانتخابات في المغرب تحولا نوعيا كان من أبرز سماته ما تضمنه الدستور الأخير من تعديلات همت اختصاصات المؤسسات الدستورية وهمت بشكل خاص الانتقال من حكومة يديرها وزير أول إلى حكومة يسيرها رئيس له صلاحيات واسعة. فهذا الدستور الذي جاء بنصوص جديدة منها ضرورة احترام التوازنات الماكرواقتصادية، كثيرا ما اعتمد كمرجعية لانتقاد أداء حكومة عبد الإله ابن كيران، التي تعتبر أول حكومة مغربية مشكلة في ظل الدستور الجديد، ومن أهم الانتقادات التي برزت نخص بالذكر المفارقة بين البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية الذي حدد معدل النمو في 7% وبين البرنامج الحكومي الذي قلص هذا المعدل إلى 5% وبين الحصيلة الحكومية التي يتوقع أن يكون المعدل في السنة الأخيرة من عمرها في حدود 1% وذلك بالرغم من تراجع أسعار برميل النفط من حوالي 115 دولار إلى حوالي 50 دولار، وبالرغم من انهيار القطاع السياحي في عدة دول منافسة كمصر وتونس وتركيا وفرنسا وإسبانيا، ورغم أن معدلات تساقطات الأمطار بقيت مرتفعة نسبيا وحالت دون تعرض المغرب للجفاف.

ما أصبح يعرف بعدم تفعيل مقتضيات الدستور تجلى كذلك في كون محاربة الفساد اقتصرت على خرجات إعلامية من قبيل نشر لائحة المستفيدين من رخص النقل العمومي عبر الحافلات "المأدونات" والمستفيدين من المقالع، ولكن دون الإقدام على توقيف العمل بهذه الرخص أو طرح إجراءات قانونية جديدة  تجعل من الممارسة المهنية الشفافة منافسا لاقتصاد الريع، وقد أبت الصدف الماكرة إلا ان تكون السنة الأخيرة من عمر حكومة بنكيران سنة نشر ما صار يعرف بلائحة خدام الدولة المستفيدين من قطع أرضية بأسعار تقل عن كلفة تجهيزها دون أن يعقب ذلك أي قرار حكومي.

التناقض بين ما يتم الإعلان عنه وما يتم العمل به لا يقتصر على حزب دون سواه، وخير دليل على ذلك أن التحالفات الحكومية، كما التحالفات داخل المعارضة، لم تخضع لمنطق إيديولوجي أو تاريخي أو ما إلى ذلك من المرجعيات المقبولة من طرف الناخب، والأكثر من هذا أن الصيغ المعتمدة في تطبيق الديمقراطية داخل الأحزاب، كثيرا ما كانت سببا في تصدعات داخلية بلغت أحيانا درجة الانشقاق وساهمت أحيانا في البحث عن تأسيس المزيد من الأحزاب والنقابات.

لقد ركزنا على الواقع المغربي ولكن ذلك لا يعني أن المغرب هو الوحيد الذي يعاني من مشكل تفاقم الفوارق بين الخطاب السياسي وبين الفعل السياسي، فبعد تجربة اليونان التي تبين منها أن حزب سيريزا تولى بنفسه تطبيق المقتضيات التي انتقدها بشدة طيلة حملته الانتخابية، جاءت تجارب كل من فرنسا وإسبانيا وغيرهما لتؤكد بأن لغة المال صارت هي السائدة، وبأن من يملك القدرة على تمويل الحملات الإعلامية وعلى الإبداع في انتقاد الآخر، يقوي فرص كسب أصوات جديدة بما فيها أصوات كانت معارضة بالأمس القريب.

من المحقق أن نسبة المشاركة في الانتخابات لها دلالتها الخاصة في تحديد مستوى تمثيلية المنتخًبين للناخبين، وبالنسبة للدول التي لا تعتمد منطق إلزامية المشاركة في الانتخاب، ولا تشترط أي نسبة للمشاركة في الإقرار بنتائج الانتخابات، فإن عدم المشاركة يعني القبول بما سيقرره الآخرون، بينما المشاركة تعني القبول ببرامج حكومية لا علاقة لها بالبرامج الانتخابية. إن هذه الإشكالية تطرح في العمق مسؤولية الأحزاب في تفعيل الديمقراطية الداخلية وفي جعل النشاط الحزبي يستمر على مدار السنة ويكون باستمرار موضوع محاسبة داخلية قبل أن يتم توسيع الدائرة لتشمل العموم، فنزاهة الانتخابات لم تعد محصورة في تطهير اللوائح الانتخابية من مختلف الشوائب وفي الشفافية عند التصويت وعند عد الأصوات وإعلان النتائج، وإنما صارت تعني التزام من نال ثقة الناخبين بما التزم به قبل يوم الاقتراع، ورغم أنه من الصعب تنفيذ برنامج أي حزب في ظل حكومة مشكلة من عدة أحزاب فإنه من الأخلاق السياسية أن تكون التحالفات مع الأقرب وحول قضايا تضع مصلحة الوطن والمواطنين فوق كل اعتبار.

إن المغرب الذي راكم العديد من المكتسبات على كافة المستويات الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية لم يحقق النتائج المرجوة، ذلك أنه بقدر ما تقدم بسرعة في مجالات حيوية مثل إنتاج الطاقة البيئية وتوسيع الشبكة الطرقية وتقوية البنيات التحتية المينائية وتوفير البنيات والقوانين المساعدة على جلب الاستثمار، فإنه أخفق في تدبير قطاعات حيوية مثل ملفي النقل البحري ومصفاة سامير لتكرير النفط، فهذه الملفات وغيرها لا يمكن السكوت عنها في الحملات والبرامج الانتخابية، كما لا يجوز إهمالها في أول برنامج ستتبناه الحكومة المقبلة

إن المخاطر الداخلية والخارجية التي تحذق بالمغرب متعددة ومتنوعة، وعلى كل من يريد أن يوفر الحماية الحقيقية لمصالحه أن يضع نصب أعينه بأن الوقاية خير من العلاج وبأن التقاسم العادل للخيرات هو الطريق الأمثل لتحقيق التنمية المستدامة ولبناء مجتمع آمن يسوده الرفاه والطمأنينة والعيش الكريم.