الدكتور عادل عامر

راهن الرئيس السيسي على شعبيته في تمرير هذه القرارات الصعبة، وسيتحمل العبء في امتصاص الآثار السلبية لخطة الإصلاح الاقتصادي.مع انتشار اليأس وفقدان الأمل بالقضاء على الفساد وحالات التردي الأخلاقي والانحراف الذي يزداد يوما بعد آخر بين افرد المجتمع ومكوناته، ومع ازدياد ظاهرة الفساد المالي والإداري في معظم المرافق والدوائر الحكومية، (وهذه أمور تحاول أن تزرعها الجهات المستفيدة منها في المجتمع)

 مع هذه الحالات كلها يزداد المصلحون يأسا وقنوطا وتراجعا، تاركين مهمة الإصلاح لمن هم ليسوا أهلا لهذه المهمة ولاهم أهل لحملها، والسبب ضبابية الأوضاع وتردي الواقع وتراجع القيم الإنسانية وظهور قيم بديلة لها، لا تمت للإنسانية بصلة، لكن يبقى الأمل موجودا بقوة. إن الخلل في الميزان التجاري وانخفاض الإيرادات العامة، خاصة من قطاع السياحة، ضغط علي سعر صرف الجنيه، لذلك كان لابد من حل الأزمة بالعمل على خفض عجز الموازنة والدين العام، عبر برنامج إصلاح اقتصادي مصري بنسبة 100%،

 ويمكن قياس الفقر في مصر بمقياس نسبي , ولكن هل نقبل مستوى للفقر يقل عن ذلك المستخدم في أفقر بلاد العالم كما طبقة البنك الدولي ؟ وهل نقبل مستوى للفقر اقل من الصحراء الإفريقية مثلاً ؟ ولعل الصورة تتحسن نسبياً إذا أضفنا حجم دخل الاقتصاد " السري " أو " اقتصاد الباطن " في مصر , فإن ذلك يزيد من إجمالي الدخل القومي الرسمي , وبالتالي متوسط دخل الفرد . ولكن اقتصاد الباطن يفيد غير الفقراء فقط ويزيد الفجوة بين الغني والفقير في مصر، أي انه يسير قضية العلاقة بين ظاهرة توزيع الدخل وظاهرة الفقر . إن الأمل يلي التقشف . وان الشدة ستزول قريباً , ولما تفاحل الفقر بلا بصيص من الأمل في الدول النامية عدل البنك الدولي موقفه مستخدما مفهوم " التضحية من أجل التنمية " ولخصت أحدث دراسات البنك الدولي لتسعة وعشرين دولة افريقية أن معظمها لن تستعيد دخل الفرد السابق لتطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي قبل مالا يقل عن 40 أو 50 عام وأوصت بدعم الصندوق الاجتماعي فالخلاص إذن لم يتم علي يد البنك الدولي بل يتم فقط بواسطة البلدان المعنية نفسها . فالأمل يخلق ولا يفرض ومن هنا جاءت ضرورة الحرب علي الفقر في مصر وبمصر ولمصر .

لابد أن تعيد الحكومة النظر في شبكة الحماية الاجتماعية مثل الحد الأدنى للأجور ومعاش الضمان الاجتماعي ومعاشات التقاعد، وتخفيض الأسعار وكل ما يتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية خاصة الطبقات الفقيرة"،وأنه لكي لا ينحرف البرنامج عن  الأهداف المطلوبة لابد من شبكة حماية اجتماعية تصمم بحرفية تحمى محدودي الدخل، حتى لا يخرج المواطنون إلى الشارع في مظاهرات، وتضطر الحكومة إلى لصق الاتهامات بصندوق النقد الدولي، و إلى أنه يوجد 25٪ من الشعب المصري يعيشون في فقر مدقع، وهؤلاء يحصل الفرد منهم على دولار ونصف الدولار في اليوم أي 45 دولارًا في الشهر ثم توجد فئة الفقراء من محدودي الدخل ويمثلون 40٪ من باقي الشعب، وهؤلاء يحصلون على 2٫5 دولار في اليوم أي 75 دولارًا في الشهر، وبعد تطبيق الحد الأدنى للأجور ارتفع إلى 1200 جنيه وهؤلاء يعملون في الحكومة، ولابد أن يعاد النظر في الحد الأدنى للأجور بعد زيادة الأسعار، وهذا يعتبر تحديًا كبيرًا مع عجز الموازنة. المصريون أذكياء وراغبون في أن يكون مستقبل أولادهم أفضل من ماضيهم، ولكنهم كالمبصر الذي يبحث عن ضوء. على الدولة أن تقدم الضوء

 

 وأنه يمكن تحقيق النهضة الاقتصادية من خلال التوسع في تشغيل المصانع المتعثرة والمتوقفة واستحداث جديد لزيادة الإنتاج المحلي الذي يزيد بدوره من الصادرات وجلب العملة الصعبة، و أن هذه الخطوة تمثل حلا أساسيا لمواجهة ارتفاع أسعار الدولار وسداد قيمة قرض صندوق النقد الدولي المتفق عليه حاليا.

تستمد الأهمية القصوى لنجاح مشاريع الإصلاح والتطوير الراهنة، من أنها ترتبط بأهم مقدرات البلاد والعباد على الإطلاق، والدرجة العالية لحساسيتها لا من حيث وزنها النسبي، ولا من حيث عوائد نجاحها المأمول أو فشلها، لا قدر الله، وكونها ترتبط بتحديد اتجاه الإطار الكلي لوجودنا ومصيرنا المستقبلي، وكل هذا لا يمكن القبول حوله بأي تهاون أو تفريط أو تواكل أو إهمال أو بأي نوع من هذا القبيل مهما تضاءل حجمه بل لا بد من التشدد المتين تجاهه على كافة المستويات، وأن يكون "مقابل" تلك السلطات شبه المطلقة للأجهزة التنفيذية المسئولة عن تصميم وتنفيذ سياسات وبرامج التحول والإصلاح والتطوير، أؤكد على الأهمية القصوى بأن يكون مقابل تلك السلطات إجراءات إشراف ورقابة ومتابعة ومحاسبة تفوق سلطتها واستقلاليتها الممنوحة للأجهزة التنفيذية، والطرف المعني هنا بأداء تلك الإجراءات هو "الفريق الرقابي" التابع مباشرة لصانع القرار!

 

الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي اختارت النظر إلي المستقبل لتعويض ما فات مصر من مشروعات التنمية والبناء والتعمير.. مشروعات ستنقل البلاد نقلة حضارية كبري لم تشهدها منذ عصر محمد علي من خلال إنشاء شبكة طرق حديثة وبناء 800 ألف وحدة سكنية للإسكان الاجتماعي تستوعب ملايين الأسر والقضاء علي ظاهرة العشوائيات ونقل القاطنين في المناطق الخطرة وغير الآمنة إلي مناطق سكنية عصرية وزراعة المليون ونصف المليون فدان وإقامة العديد من المدن الجديدة وتنمية وتطوير محور قناة السويس وكلها مشروعات قد لا يشعر المواطن بعائدها اليوم وإنما سيشعر بأهميتها وقيمتها في الغد القريب!

مشكلتنا نحن المصريين أن الغالبية منا تعشق الحديث عن الأزمات ولا تلتفت أبداً إلي أزمات ثم القضاء عليها بعد أن ظلت مستعصية علي الحل لعدة عقود مثل أزمة طوابير الخبز المدعم التي ذهبت إلي غير رجعة وأزمة اسطوانات البوتاجاز وانقطاع الكهرباء عن المنازل والمصانع والوقوف في طوابير طويلة أمام محطات الوقود للحصول علي البنزين أو السولار.. كلها أزمات أصبح ليس لها وجود لكننا نتجاهل تلك الانجازات لنبحث عن أزمات جديدة نتحدث عنها مثل ارتفاع الأسعار وزيادة فواتير الكهرباء بل ونشارك في خلق أزمات جديدة مثل المضاربة بسعر الدولار الذي وصل إلي مستويات قياسية بشكل غير مبرر مستغلين تراجع عائدات مصر من العملة الصعبة بفعل الإرهاب وضرب السياحة وتراجع الصادرات. مصر يا سادة تسير في الطريق الصحيح.. وحان وقت تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي لتقليل نسبة العجز في الموازنة العامة للدولة.. وعلينا كمصريين أن نتجرع الدواء ورغم أنه مر لكنه يشفي.. فلا يعقل أن تكون تذكرة مترو الأنفاق بجنيه في الوقت الذي يركب فيه المواطن "التوك توك" بخمسة جنيهات وأكثر!!

أيهما أفضل أن تقيم الدولة المصرية العديد من المشروعات القومية الكبرى في شتي المجالات من خلال إنشاء مجتمعات عمرانية وزراعية متكاملة وإقامة مدن ومناطق جديدة سكنية وصناعية واقتصادية لتخرج مصر من الوادي الضيق الذي ظلت محبوسة فيه رغم الزيادة الهائلة في تعداد السكان الذي تخطي 91 مليون نسمة.. أم من الأفضل أن يبقي الوضع علي ما هو عليه وبدلاً من الإنفاق علي هذه المشروعات يتم منح العاملين بالدولة وأصحاب المعاشات علاوة 15 أو20% لتذوب وسط ارتفاع الأسعار فلا يشعر بها أحد سواء كان موظفا أو علي المعاش وهي السياسة التي كانت تتبعها الدولة من قبل وأثبتت الأيام فشلها!!

كاتب المقال
دكتور في الحقوق وخبيرالقانون العام مستشار تحكيم دولي وخبير في جرائم امن المعلومات ومستشار الهيئة العليا للشئون القانونية والاقتصادية بالاتحاد الدولي لشباب الازهر والصوفية