عبد القادر الحيمر

باسم الدفاع عن العلمانية وباسم الحماية من التوترات الاجتماعية أقدمت بعض البلديات الفرنسية على منع استعمال النساء لألبسة السباحة المعروفة باسم البوركيني في الشواطئ الخاضعة لنفوذها، أما الجمعيات التي تمارس العِري في الشواطئ والأماكن العمومية فتٌعامل وكأنها الخيار الذي يجب تعميمه وفرضه على الجميع,

 يأتي منع ارتداء البوركيني بالشواطئ الفرنسية في ظل ظرفية متميزة باستغلال الحملات الإعلامية الغربية لما نفذته داعش و بوكوحرام وغيرهما من عمليات إرهابية من أجل تغليط الرأي العام الغربي والدفع به إلى معاداة الإسلام، فبينما يسمح للرجال والنساء، في مختلف شواطئ العالم بارتداء الألبسة الرياضية التي تستعمل في الغطس وفي ركوب الأمواج وغيرهما من الرياضات البحرية، فإن الفهم الفرنسي للعلمانية جعل من البوركيني ، الذي لا يختلف في العمق مع هذه الألبسة التي تغطي الجسد كله بما في ذلك الشعر، ورقة إعلامية جديدة للتضييق على المسلمين في ممارسة حرياتهم وشعائرهم الدينية,

 لقد عانت فرنسا، ولا تزال تعاني من سياستها التي حولتها إلى مسرح لتنفيذ عمليات إرهابية خلفت العديد من القتلى والجرحى وأسفرت عن تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وعن فقدان الثقة في النخب السياسية التي أخطأت الحساب وصارت اليوم مطالبة بمواجهة الإرهاب داخل ترابها الوطني بعدما كانت تعتقد أن سياستها الخارجية تجاه الدول العربية والإسلامية ستبقى حبيسة الحدود الجغرافية لهذه المناطق من العالم,

 من المحقق أن النخب السياسية الحالية نجحت في الدفع ببعض رجال الدين المسيحيين إلى الخروج عن المألوف والقبول بإقامة علاقات زوجية بين المثليين، ومنهم من صار يبيح لهم حتى الأحقية في تبني الأطفال، فمع أن الإسلام هو الأكثر تعرضا للمناورات العسكرية والقانونية والإعلامية وغيرها، فإن العلمانية المعاصرة لم تعد تقبل بغير الإلحاد والعري والهيمنة، أما الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة فصارت بدورها تفقد مضامينها وتجعل من الخنوع والقبل بالأمر الواقع قانونا لا يقبل الجدل ولا الطعن,

تحضرني تصريحات سيدة فرنسية التقيت بها في عاصمة الكاميرون ياوندي، كانت تتحدث كمستثمرة في القطاع السياحي بالكاميرون وكانت تسعى إلى الاستفادة من الفرص التي يوفرها الخط الجوي الذي أنشأته الخطوط الملكية المغربية بين الدار البيضاء وياوندي مرورا بالعاصمة الاقتصادية دوالا، وحينها تعرضت إلى كون نسبة هامة من السياح الفرنسيين يستهويهم التوجه إلى المنطقة التي تأوي قبائل يعيش سكانها عراة على مدار السنة، وفي هذا خير دليل على أن الفرنسيين الذين كانوا يقطعون مسافات بآلاف الكيلومترات من أجل رؤية أناس عراة صاروا يتخذون من العري موضة ومن ارتداء الألبسة مبررا للتضييق على المسلمين,

هل صار من المفروض في كل مسلمي أوروبا والعالم الغربي أن يكشفوا عن عوراتهم ويقْدموا بدورهم على الزواج المثلي لعلهم يحضون بحق الإدماج في المجتمع العلماني؟ إنه المفهوم الجديد للديمقراطية ولحرية الاعتقاد، إنه المستقبل الذي ينتظر كل المسلمين الذين فرضت عليهم الحروب النزوح إلى أوروبا، أما التنمية المستدامة وأما احترام الديانة والعقيدة فتلك شعارات لم تعد الطبقة السياسية الغربية قادرة على حمايتها ونصرتها، وهي بذلك لا تتردد في ابداع القوانين والموضات المضيقة على الحياة. أليس هذا شكل من أشكال الإرهاب؟