حرص العاهل المغربي الملك محمد السادس شخصيا على أن تكون شراكة المغرب مع باقي البلدان الإفريقية قائمة على الاحترام المتبادل وعلى تقوية التعاون الثنائي والتوجه نحو تحقيق التنمية المستدامة والمتقاسمة، وفي هذا الحرص ما يؤكد بأن الحكومة المرتقب تعيينها ستكون مطالبة بتوفير كل الشروط الضرورية للرفع من وثيرة إنجاز كل الاتفاقيات التي أشرف جلالته، إلى جانب رؤساء الدول التي زارها، على توقيعها

 عبد القادر الحيمر

اعترفت العديد من الدول، وخاصة منها الإفريقية بأحقية المغرب في استعادة مكانته الطبيعية داخل الاتحاد الإفريقي، وهذا الاعتراف الذي جاء مصحوبا بدعم المقترح المغربي لحل النزاع القائم حول الصحراء والهادف إلى النيل من وحدته الترابية، كان ثمرة تبني المغرب لاستراتيجية اتخذت من الخبرة المكتسبة في مجالات الطاقة والفوسفاط والفلاحة والأبناك والتأمين وغيرها وسيلة عملية لنسج علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف قوامها التخلي عن منطق تقديم العون لفائدة ترسيخ منطق تثمين التعاون الذي يعود بالربح على كل الأطراف والذي يمكن من تحقيق التنمية المتقاسمة والمستدامة، فالاتفاقيات التي تم توقيعها مع كل الدول التي شملتها الزيارة الملكية لغرب وشرق إفريقيا مهدت لخلق مناخ سياسي واقتصادي جديد في العلاقات البينية الإفريقية، وقد ساعد انهيار أسعار البترول على الاضطرار إلى التخلي عن منطق الريع والتوجه أكثر نحو الاعتماد على الإمكانات والكفاءات المحلية والإقليمية والقارية.

لقد عانى المغرب طيلة العقود المنصرمة من كونه كان يعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد من أجل تلبية حاجياته من الطاقة، غير أن هذه المعاناة فرضت عليه البحث عن موارد تنموية بديلة، فلم يكن أمامه غير الاعتماد على الذات والانخراط في علاقات دولية أهلته للتأقلم مع المناخ الاقتصادي والتجاري العالمي ومكنته من كسب العضوية في أهم المنظمات العالمية بما فيها المنظمة العالمية للتجارة، التي رأت النور بمدينة مراكش سنة 1994، ومن إقرار علاقات شراكة مع الاتحاد الأوربي وتوقيع اتفاقية للتبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر من أكثر الدول تشددا في تبني معايير حمائية، إن هذه التجربة التي مكنت من تحدي الصعاب ومن بناء مجتمع آمن يسوده الاستقرار، ومن استضافة تظاهرات دولية رفيعة المستوى من قبيل مؤتمر المناخ كوب 22 الرامي بشكل خاص إلى خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وإلى تقديم الدعم المستحق للقارة الإفريقية للتقليص من مخاطر التلوث الذي تتسبب في الدول المصنعة، هي نفسها التجربة التي تعمل الاستراتيجية المغربية على تحيينها وتعميمها لتشمل مختلف الفئات عبر كافة الدول الإفريقية.

ما حققه المغرب طيلة العقود السابقة لايزال يحتاج إلى المزيد من الجهد لأن التغلب على الصعاب لا يقتصر على تكثيف الجهود من أجل التأقلم مع المعايير الدولية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية فحسب، وإنما يتطلب التعامل مع السياسة العدائية المفروضة عليه من طرف الجزائر على أساس أنها ثابت لن يتغير إلا بعودة المتحكمين في القرار بالجزائر إلى رشدهم والانخراط بدورهم في سياسة تجعل من دول المغرب العربي الكبير رافعة قوية لتحقيق التنمية على المستوى المحلي وعلى مستوى دول جنوب الصحراء، وإلى أن يتحقق ذلك فإن المغرب استطاع بمفرده أن يوطد علاقاته مع عدة هيئات دولية وأن يكسب ثقة القادة الأفارقة في خياراته الاستراتيجية الرامية إلى تحقيق التنمية المنشودة في القارة السمراء اعتمادا على القدرات الذاتية لإفريقيا، وهذا الخيار هو الذي تجلى مرحليا في إبرام اتفاقيات تجعل من الفوسفاط المغربي ركيزة لإقامة مركبات صناعية في دول مختلفة من إفريقيا وتجعل من الأسمدة المصنعة في هذه الدول دعامة حقيقية للتنمية الفلاحية المحلية ووسيلة عملية لمحاربة الجوع والفقر والأوبئة وخيارا عمليا للحد من مخاطر الهجرة، وهو نفس الخيار الذي أسس لإقامة أنبوب نقل الغاز من نيجيريا إلى المغرب مرورا بعدة دول من غرب إفريقيا، وحتى على هذا المستوى فإن المغرب الذي يعتبر معبرا للأنبوب الذي ينقل الغاز الجزائري إلى أوربا ويعتبر كذلك مستوردا للغاز الجزائري، صار جاهزا لجعل الطاقة بمختلف مكوناتها بما فيها الطاقة النظيفة، مجالا خصبا للتعاون بين الدول الإفريقية ولبلوغ الأهداف المعبر عنها في مختلف الاتفاقيات.

الإقرار بهذا الوضع لا يعني أن المغرب تخطى كل الصعاب وأنه بلغ بر النجاة، وإنما يعني أن التزاماته تجاه الدول الإفريقية تفرض عليه تفادي أخطاء الماضي ومضاعفة الجهود من أجل تحصين مكتسباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإذا كانت الخطوط الملكية المغربية قد استلمت يوم السبت 3 دجنبر 2016 طائرة خامسة من نوع بوينغ ب. 787 دريملاينر وصار أسطولها الذي  يضم حاليا 55 طائرة جاهزا لفتح المزيد من الخطوط في اتجاه القارة الإفريقية، فإن توطيد العلاقات مع إفريقيا يحتاج أساسا إلى التوفر على أسطول بحري لنقل السلع ويحتاج أكثر إلى التوفر على نسيج اقتصادي قادر على الرفع من الصادرات المغربية الفلاحية منها والصناعية والخدماتية.

لقد حرص العاهل المغربي الملك محمد السادس شخصيا على أن تكون شراكة المغرب مع باقي البلدان الإفريقية قائمة على الاحترام المتبادل وعلى تقوية التعاون الثنائي والتوجه نحو تحقيق التنمية المستدامة والمتقاسمة، وفي هذا الحرص ما يؤكد بأن الحكومة المرتقب تعيينها ستكون مطالبة بتوفير كل الشروط الضرورية للرفع من وثيرة إنجاز كل الاتفاقيات التي أشرف جلالته، إلى جانب رؤساء الدول التي زارها، على توقيعها، فعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي ليست هدفا في حد ذاته وإنما هي خطوة متقدمة نحو العمل على التخلي عن النزاعات الإقليمية وما يترتب عنها من ويلات والشروع فورا في بناء أسس التنمية المنشودة، فالحكومة المقبلة مطالبة أولا وقبل كل شيء بكسب رهان التنمية على كافة المستويات لأن من لا يوفر التنمية في وطنه لا يمكن أن يعول عليه في تصدير التنمية إلى باقي البلدان.