عبد القادر الحيمر

تحولت بوابات العديد من عيادات أطباء القطاع الخاص إلى فضاءات يتجمع فيها المرضى الذين يضطرون إلى الحضور بما قد يزيد عن الساعتين قبل مواعد الافتتاح، أما قاعات الانتظار فتضل غاصة بالمرضى ومرافقيهم طيلة فترة الافتتاح التي قد تطول إلى ما يزيد عن عشر ساعات، ولعل الأطباء أولى من غيرهم لتقدير الآثار النفسية لانتقال عدى طول الانتظار من المستشفيات العمومية إلى القطاع الخاص على المريض وعلى الدور المنوط بأطباء القطاع الخاص الذين لابد من التذكير بأنهم يواجهون مند سنين مخاطر الترخيص لغير الأطباء بالاستثمار في القطاع برفع شعار الحق في العلاج ومحاربة المتاجرة بصحة المواطن.

المرضى الذين يضطرون إلى الانتظار أمام وداخل العيادات لمدد قد تزيد عن ست ساعات قبل أن يحل دورهم لمقابلة الطبيب إما من أجل الفحص أو من أجل المراقبة التي تلي هذا الفحص، غالبا ما يتقبلون، على مضض، هذا الوضع لعدة أسباب لعل أبرزها هو انعدام الثقة في خدمات الصحة العمومية والخوف من تدهور الحالة في حال تأجيل موعد الخضوع للفحص الطبي، وإذا كان طول الانتظار يهون على بعض المرضى لأنهم يتقون في الطبيب المعالج وليس لهم ما يدعوهم للاستعجال فإن من الآخرين من لا يصل دوره في الفحص إلا بعد أن يكون وضعه الصحي قد تدهور، وهذه الحالة تنطبق بشكل خاص على المرضى بالسكري وبالضغط الدموي.

لقد صار بالإمكان تقسيم عيادات ومصحات القطاع الخاص إلى فئتين:

الفئة الأولى تحافظ على نظام الزيارة بالموعد مع إعطاء الأولوية للحالات المستعجلة، وهي فئة يجد فيها المريض راحته لأن الفحص غالبا ما يتم في الموعد أو متأخرا عنه ببضع دقائق، لكن هذه الفئة غالبا ما تضطر إلى تحديد مواعد قد تتطلب الانتظار لأزيد من أسبوعين، وإذا كان من المرضى من يتفهم الوضع ويتأقلم معه فإن منهم من يقبل به ولكنه سرعان ما ينقلب عليه إذا فرضت إحدى الحالات الاستعجالية المزيد من الانتظار

الفئة الثانية فضلت التخلي عن نظام الموعد وعوضته بنظام اللائحة التي غالبا ما يتم وضعها من طرف المرضى الذين يحضرون للعيادة قبل عدة ساعات من افتتاحها، وهذه الظاهرة بدأت تتفشى في كثير من المدن المغربية لأن من الأطباء من يرى فيها وسيلة إشهارية ناجعة، ذلك أن الاكتظاظ وطول الانتظار يعطي الانطباع بأن هذا الطبيب أحسن من غيره.

إن كل من يستحضر المبدأ الذي يقوم على أساس أن ثقة المريض في الطبيب المعالج تستحوذ على قسط كبير من بلوغ مرحلة العلاج والشفاء لا يمكنه إلا أن يقر بأن محدودية الخيار، بفعل غياب الثقة في خدمات الصحة العمومية وبفعل سوء توزيع العيادات والمصحات الخصوصية عبر التراب الوطني، هي التي تزيد من اللهف وراء المزيد من المداخيل حتى ولو كان ذلك سيكون على حساب جودة الخدمة المقدمة للمريض وإلا كيف يمكن لطبيب واحد أن يفحص ما قد يزيد عن 60 مريضا في اليوم دون أن يخل ولو جزئيا بواجباته.

إن النقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر تشتكي مما تسميه بالحيف والظلم الذي يتعرض له الأطباء حيث يحالون على القانون الجنائي عند مزاولة مهنتهم بعد اتهامهم مسبقا بالخطأ الطبي، وهي تعتبر أيضا أن النظام الضريبي مجحف وغير ملائم لخاصية المهنة، بل إنها تدق ناقوس الخطر وتتوقع  أن تسفر التجاوزات التي تتعرض لها المهنة عن المس بحق المواطن في العلاج وعن تدهور الوضع الصحي في المغرب، وإذا كان هذا الطرح يندرج في سياق الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية التي تسعى النقابة إلى تحقيقها فإن القانون المنظم لمهنة الطب في المغرب لا يحمي المريض من التجاوزات التي ما كان لها لتتفشى لولا أن عدد الأطباء صار عاجزا عن مواكبة الطلب، وإذا كان هذا الوضع متفشيا في مدن كبرى كالدار البيضاء والمحمدية والرباط والقنيطرة فكيف هو حال المرضى بالمدن الأخرى التي تعاني من انعدام أو نقص الأطباء في الكثير من التخصصات الطبية.

من المؤكد أن الصحة العمومية حققت تقدما ملموسا في معالجة بعض الأمراض وخاصة منها السرطان والسيدا، كما أنها وفرت تجهيزات طبية متطورة في بعض المستشفيات ولكن الاعتراف لها بما تحقق لا يبرر تقاعس الخدمات في الكثير من الميادين، وهو تقاعس لولاه لما قبل المرضى من ذوي الدخل المحدود بالبحث عن العلاج في القطاع الخاص علما بأن التغطية الصحية لا تغطي حتى نصف الكلفة الحقيقية للعلاج.

سواء في الإدارات العمومية أو في المؤسسات السياحية أو في المستشفيات والمصحات والعيادات الطبية فإن جودة الخدمة لا تتحقق إلا بتحسين ظروف الاستقبال، وفي زمن متميز بانتشار استعمال الهاتف النقال والأنترنيت لم يعد هناك أي مبرر معقول لتحميل المرضى مشاق طول الانتظار كلما تطلبت حالتهم الصحية اللجوء إلى الخدمات الطبية، ومعالجة هذا الوضع لا تتحقق بإلقاء اللوم على طرف دون سواه وإنما بمعالجة المشكل من أصله، بما في ذلك إشراك كل الأطراف المعنية في الحوار المفضي لاتخاذ قرارات  مرحلية مع العمل بشكل جدي على التعجيل بوضع مخطط يؤمن تكوين العدد الكافي من الأطر ويحدد خارطة توزيعها عبر التراب الوطني ويحمي حقوق كل الأطراف، فمناهضة الاتجار في الصحة مسؤولية جماعية وعلى كل من يعمل بحق على مناهضتها أن يبتدئ بنفسه.