عبد القادر الحيمر

ما بني على باطل فهو باطل، وفي مجال حقوق الإنسان لا يمكن القبول بأحكام صادرة عن كل من تورط في العبث بحقوق الإنسان حتى لو كان جبروته يؤهله لفرض موقفه على غيره.

عنوان "الشيطان يؤذن للصلاة" الذي أوحى لي به أحد أصدقائي ينطبق إلى حد كبير على وزارة الخارجية الأمريكية التي ترصد بالطريقة التي تلائم مصالحا ما يجري في مناطق مختلفة من العالم، وتصدر أحكام قيمة لا تستثني حتى من هم في عداد حلفائها، أما ما يجري في المناطق الخاضعة لسيادة الإدارة الأمريكية فلا يظهر له أي أثر وكأن هذه الدولة العظمى يحق لها ما لا يحق لغيرها، ليس في مجال استعمال الفيتو فقط، ولكن كذلك في القضايا التي تؤسس لاحترام حقوق الإنسان.

لقد أعطت الخارجية الأمريكية لنفسها حق إصدار تقارير سنوية عن حقوق الإنسان، ومن هذا المنطلق تضمنت الفقرات التي خصصتها للمغرب في تقرير ٍ13 أبريل 2016 اتهامات دفعت بالسلطات المغربية إلى وصفه بال "افترائي بشكل حقيقي، حيث انتقل من تقريب المعلومة إلى اختلاقها جملة وتفصيلا، ومن التقييم المغلوط إلى الكذب الموصوف"

في نفس السياق اكتشفت الإدارة الأمريكية أن أمراء سعوديين على صلة بأحداث 11 شتنبر ومهدت لمحاكمتهم، ولكن الخارجية التي تعفي نفسها من الاستماع إلى المتهم والأخذ برأيه، هي نفس المؤسسة التي قادت منذ 11 شتنبر 2001 سياسة دولية لولاها لما عانت الإنسانية جمعاء من الويلات التي تمثل معاناة الشعوب السورية والعراقية والليبية مظهرا جليا لطبيعة حقوق الإنسان التي تعمل الديمقراطية الأمريكية على نشرها.

ستشهد الفترة المتبقية من ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما زيارة اليابان، وخلالها يرتقب أن يزور المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة الأمريكية بالقنبلة النووية، ولكن لا شيء يفيد بأن أوباما سيقدم اعتذارا لليابان أو سيقر بأن الدولة التي يرأسها هي الوحيدة التي استعملت السلاح النووي.

أوشكت ولاية أوباما على نهايتها ومع ذلك فإن الوعد بإغلاق سجن غوانتانامو الذي كان وصمة عار في سجل حقوق الإنسان، لم يتحقق، بل الأدهى من هذا أن بشاعة المعاملة التي تلقاها المعتقلون بهذا السجن لم تسفر عن الحد من الإرهاب وإنما ساعدت على ارتفاع عدد المتطوعين من مختلف أنحاء العالم للالتحاق بالتنظيمات الإرهابية وخاصة منها داعش

الصورة الحقيقية لحقوق الإنسان تبرز جلية في اعترافات هيلاري كلينتون، الأكثر حظا للفوز بالرئاسيات الأمريكية المقبلة، إذ أكدت الدور الأمريكي في خلق داعش، وهي تبرز كذلك في التحاليل التي ذهبت إلى حد اعتبار أن الإدارة الأمريكية متورطة في أحداث 11 شتنبر، وتبرز أيضا في التقارير التي أبانت بأن صدام حسين لم يكن يتوفر على أسلحة فتاكة وبأن المعاملة التي سادت في سجن أبو غريب بالعراق لا تليق حتى بالحيوانات المفترسة.

الصورة الحقيقية لحقوق الإنسان تتجلى كذلك في كون الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر إحدى الدول الثلاث، إلى جانب المملكة العربية السعودية وإيران، الأكثر تنفيذا لأحكام الإعدام، وفي كون نزلاء السجون الأمريكية يعانون من العزل ومن أسوأ المعاملات، أما العنف فهو سلوك يميز تعامل القوات الأمنية الأمريكية مع من يشتبه فيهم وخاصة إذا كانوا من ذوي البشرة الملونة، فما أكثر الذين عمدت القوات الأمنية الأمريكية إلى قتلهم بالرصاص لمجرد أنهم من ذوي البشرة السوداء دون أن ينالوا العقاب المستحق، فالأحكام القانونية الأمريكية مازالت في منأى عن تحقيق العدالة

لا يتعلق الأمر فقط بماضي وحاضر الولايات الأمريكية، ولكن نهج الإدارة الأمريكية تجاه حقوق الإنسان يتضح جليا في الخطاب الذي مكن مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب من كسب ثقة المصوتين في الانتخابات الرئاسية التمهيدية، فكراهية الإسلام والمسلمين لا غبار عليها، وحرمان المسلمين من دخول التراب الأمريكي خيار قد لا ترى فيه اللوبيات المتحكمة في الإدارة الأمريكية أي خرق لحقوق الإنسان وأي اعتداء على الحرية في التنقل وفي العقيدة، وحتى الحلفاء يمكن تغييرهم بين عشية وضحاها لأن منطق القوة في السياسة الأمريكية هو المهيمن وما الحرية والديمقراطية والتعاون إلا شعارات تتغير مفاهيمها حسب الحالات وليس حسب المبادئ

من كان بيته من زجاج لا يرشق بيوت الآخرين بالحجارة وإلا فإنه أشبه بالشيطان الذي يؤذن للصلاة