عبد القادر الحيمر

كان بيان الخارجية المغربية الصادر يوم 5 دجنبر 2016 بمثابة صفعة قوية لرئيس الحكومة المعين عبد الإله ابن كيران الذي أثارت تصريحاته بشأن الوضع في حلب السورية غضب روسيا، وكان من الواضح أن مساندة الشعب السوري في مأساته تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مواقف تستحضر الملف السوري في شموليته وتتجنب الانتقائية في إلقاء اللوم على جانب دون سواه ممن لهم مسؤولية في تدمير سوريا وتقتيل وتهجير الشعب السوري.

إن التاريخ غني بمآسي القرارات السياسية التي دمرت وقتلت وشردت، ضدا على الخطابات السياسية الملوحة بالدفاع عن حقوق الإنسان وعن نصرة الحق وإقرار الديمقراطية، وإذا كان عدوان الاحتلال الإسرائيلي على فلسطين والفلسطينيين يمثل العنوان البارز في تاريخنا الحديث لهذا المنطق فإن مأساة الشعب السوري وقبلها مأساة الشعب العراقي ما هي إلا ثمرة سياسة دولية لا يمثل فيها الجانب الإنساني إلا وسيلة إعلامية تسخّر للتغطية على الجرائم التي يتم التخطيط لها مسبقا من أجل احتلال مواقع متميزة في الساحة الدولية، ومع ذلك فإن اختلاف وتضارب المصالح يكون دوما موضوع التفاوض، كل من موقعه، على من سيفوز بحصة الأسد من الفريسة التي تدعي كل الأطراف حماية مصالحها.

أهم ما يلاحظ في هذه الفترة بالذات هو أن المتحكمين في المشهد الإعلامي الدولي يركزون على الإبادة التي يتعرض لها السوريون في حلب، وبالمقابل فإنهم يغضون الطرف عما يجري في مواقع أخرى من المنطقة سواء داخل سوريا أو في العراق وباقي الدول التي افتقدت الحد الأدنى من شروط العيش الآمن. إن السوريين، مثلهم مثل العراقيين واليمنيين وغيرهم ممن فرض عليهم تدهور الوضع الأمني النزوح والهجرة إلى دول أخرى، يعيشون مأساة كانت في البداية تستهوي الإعلام الغربي الذي كان يبحث عن السبق في نقل صور وأخبار النازحين والغارقين والعالقين في المخيمات، ولكن بمجرد ما فرض التهافت على كسب أصوات الناخبين في الدول الغربية مسايرة الأطروحات العنصرية واللاإنسانية، تجاهلت جل القنوات الدولية معاناة المهاجرين، ليس في لبنان والأردن وتركيا واليونان فحسب، ولكن كذلك في باقي دول الاتحاد الأوربي التي كانت كل منها تنتقي من المصطلحات والجمل ما يجعلها تبدو وكأنها أكثر إنسانية من غيرها.

لقد تعرضت أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة لظروف مناخية استدعت من هيئات الأرصاد الجوية المحلية إصدار نشرات تحذيرية، وبالفعل فإن الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام أبانت عن هول المحن التي أصابت سكان العديد من المناطق التي عانت من الفيضانات والسيول وشدة البرد رغم أن جل مساكنهم مجهزة بأحدث التجهيزات، لكن، بالمقابل تم تغييب أثر الأمطار والبرد القارس على المهاجرين الذين فرضت عليهم الحرب الإقامة في مخيمات تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السكن اللائق، فالخطاب الإنساني الذي كان سائدا في أوروبا قبل تصويت البريطانيين في الاستفتاء لفائدة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وقبل ظهور نتائج استقراء الرأي التي أبانت بأن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فقدت الكثير من مسانديها نتيجة لمواقفها تجاه ملف المهاجرين، إن هذا الخطاب تبدد ولم يعد له أثر أمام الاهتمام بالوضع الداخلي المتميز بالنقاش الدائر حول من سيفوز في الانتخابات المقبلة وحول من سيفوز في مسابقات الطبخ والأناقة و...

إن مأساة السوريين لا تقف فقط عند تزايد عدد الوفيات جراء القصف اليومي الذي تتعرض له حلب، إنها أكبر من ذلك بكثير، إنها مأساة شعب ذنبه الوحيد أنه هو الذي وقع عليه الاختيار في المرحلة الحالية في انتظار من سيليه في المراحل المقبلة ضمن مخططات متضاربة وخاضعة لهيمنة النفوذ الأجنبي، ففي ظل هذا السياق الذي يخضع لمنطق القوة، لم يعد السوريون وغيرهم من المهاجرين ومن هم في وضعية المرشح لاستقبال قنابل جديدة أو للاضطرار إلى الهجرة، لم يعد هؤلاء جميعا في حاجة إلى من يرسل لهم برقيات تعازي ومواساة يعرف الجميع أنها عديمة الأثر على القرار السياسي والعسكري، ولكنهم في حاجة إلى من يعمل، كل من موقعه وحسب قدراته الحقيقية، على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وعلى تضميد جراح ازدادت أحاسيسها المؤلمة بفعل غياب المعاملة الإنسانية، ولو في حدودها الدنيا، والمغرب الذي تربطه علاقات مع كل الأطراف التي تلعب أدوارا متباينة في تحديد مسار الملف السوري، بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا والمملكة العربية السعودية، لا مصلحة له ولا لغيره في الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، ولكن مصلحته في مواصلة النهج الذي سار عليه والذي تمثل بشكل خاص في تقديم المساعدات الإنسانية لمن هم في حاجة إليها سواء عبر إقامة مستشفيات ميدانية كما هو الحال في مخيم الزعتري بالأردن، أو عبر تقديم المزيد من المساعدات لمن لجأوا إلى المغرب ويسعون إلى الاستقرار فيه، وإلى أن يصحى الضمير العالمي ويتوقف العدوان على الشعوب والدول فإن لواقع الحال مقتضياته التي تستوجب اعتماد الأساليب التي تلائمه.