عبد القادر الحيمر

راجت لحد الآن أسماء بعض الفائزين برئاسة اللوائح الانتخابية التي ستقدم في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراءها في المغرب يوم 7 أكتوبر 2016، ورغم أن ما راج لن يأخذ شكله النهائي والقطعي إلا بعد الإعلان الرسمي عن أسماء المرشحين في كل دائرة، فإن استقراء السلوكات التي هيمنت في التجارب السابقة تفرض القبول بالأمر الواقع والاعتراف بأن سلطة المال والنسب لا تزال تعلو على واجبات النضال والتضحية من أجل خدمة الصالح العام. إن الديمقراطية التي ارتبطت بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية، تولدت عنها سلوكات لا ديموقراطية تجلت بشكل خاص في كون البحث عن تصدر لائحة الأحزاب الممثلة في البرلمان دفع إلى إعطاء الأولوية في الترشيح إما للمقربين من أفراد الأسرة أو لمن لهم القدرة المالية على الفوز بالمقعد دون مراعاة لخياراته الإيديولوجية، أما المناضلين فصار دورهم مقتصرا على القبول بالأمر الواقع وإلا فأرض الله واسعة.

بادرت الأحزاب في التجارب السابقة إلى محاربة ما صار يعرف بظاهرة "الترحال" داخل البرلمان، وكان الهدف من النصوص القانونية التي تم إقرارها هو حماية خيارات الناخبين من منطلق أن ترشيح البرلماني تم على أساس الالتزام ببرنامج حزبي، وأي انتقال من حزب إلى آخر يعني إغفال خيارات الناخبين وتغليب برامج حزبية أخرى لم يصوتوا عليها. هذه المبادرة كانت حينها قد لقيت استحسان شرائح واسعة من المجتمع المغربي وبدت وكأنها مهدت لتقوية النهج الديمقراطي من خلال حماية المكانة التي احتلها كل حزب في أوساط الناخبين، ولكن التجربة البرلمانية التي ستنتهي بعد بضعة أسابيع حملت وقائع أسست لقيام علاقات جديدة لعلها كانت من أهم العوامل التي حدت من قدرات السلطة التشريعية، أي البرلمان، على إنتاج القوانين التي تمكن المغرب من مواكبة التطور الجاري على المستويين الوطني والدولي.

من المحقق أن نتائج الانتخابات غيرت المشهد الحزبي في المغرب، غير أن المشهد السياسي العام لم يتغير إذ ازدادت حدة النفور الشعبي من الانخراط في الأحزاب، وصار من الصعب الاختيار بين عدم المشاركة في الانتخابات الذي سيمكن الغير من التقرير مكان الممتنع عن التصويت، وبين التصويت على أحزاب أو أفراد لا شيء يلزمهم بالوفاء ما تعهدوا به في الحملة الانتخابية، بل إن مجرد ما أنفقوه من أجل الحصول على رئاسة اللائحة الانتخابية ثم من أجل كسب العدد الكافي من الأصوات للفوز بمقعد برلماني، يخرج عن نطاق التضحية والنضال ويدخل في باب الاستثمار السياسي الرديء، وهذا في حد ذاته يصعب ضبطه ديموقراطيا بمساطر قانونية كما يصعب القبول به لأنه ينتج علاقات ارتفعت عدة أصوات مطالبة بمراجعتها وخاصة منها مطلبي تقليص مستحقات البرلمانيين ومنعهم من الحصول على معاشات التقاعد المرتفعة القيمة.

يستفاد من التجارب البرلمانية السابقة أن بعض البرلمانيين كسبوا طيلة عدة عقود ثقة الناخبين في المناطق التي يترشحون بها، وقد ساعدتهم أقدميتهم في العمل البرلماني على اكتساب خبرة عالية في تدبير العملية الانتخابية، ومن بين هؤلاء من ترك بصماته في تطوير العمل البرلماني ومنهم من عرف كيف يحول منصبه البرلماني إلى رأسمال يجب استرجاعه وجني ثماره مع توفير كلفة الفوز بنفس المقعد في الانتخابات المقبلة، ويستفاد من نفس التجارب أن غضب المناضلين والناخبين على حد سواء كان له الوقع الكبير على الخارطة الحزبية وعلى الحياة الديمقراطية داخل الأحزاب، ومن أبرز مظاهر هذا الخلل أن الحملات الانتخابية التي كانت ترتكز على تضحيات المناضلين تحولت إلى نشاط موسمي يخلق العديد من مناصب الشغل حيث تتحول أسر بأكملها إلى أجساد قابلة للباس وترديد أي شعار مقابل أجر يتراوح عادة بين 100 و 200 درهم في اليوم.

لسنا هنا بصدد تعليق الجرس لهذا الحزب أو ذاك، ولكن ما نريد تبليغه جليا هو أن المواطن المغربي الذي عرف كيف يعاقب الأحزاب على أدائها داخل الحكومة أو داخل المعارضة أو على النهج المعتمد في تنظيماتها الداخلية، لم يهتد بعد إلى الصيغة المثلى التي تجعل من الانتخابات فرصة حقيقية لإنتاج هيئات سياسية مؤهلة للرقي بالمغرب إلى المستوى اللائق به. إن المغاربة الذين لا يتوقفون عن توجيه الانتقادات اللاذعة لكل الأحزاب هم المطالبون اليوم، أكثر من غيرهم بتقديم اقتراحات حلول تجعل المغرب يتوقف فعلا عن تضييع الفرص، وفي مقدمتها فرصة الانتخابات التشريعية التي تحتاج إلى من يحميها من كل أشكال الغش والتدليس، وإلى من يدعمها بسلوك حضاري يساند أو يعارض في إطار مسؤول وخال من كل أشكال العنف، بما فيه العنف اللفظي.

إن الخارطة الحزبية الحالية ترجح احتمال اضطرار كل الأحزاب إلى البحث عن تحالفات مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، وهذا في حد ذاته سيفرض على رئيس الحكومة المرتقب تعيينه أن يعمل على التوفيق بين كسب الأغلبية البرلمانية المطلوبة وبين تشكيل حكومة منسجمة وقادرة على بلورة برنامج حكومي يستجيب فعلا لمتطلبات السير بالمغرب قدما نحو توفير آليات ووسائل الوقاية من المخاطر الخارجية والداخلية التي تهدد أمنه ووحدته واستقراره، ونحو وضع سياسات اقتصادية تشجع على الاستثمار المنتج لفائض القيمة ولمناصب الشغل وعلى تحسين معايير احترام حقوق الإنسان ومعايير العيش الكريم.

مهما اختلفت التكهنات، فإن كل الاحتمالات تبقى ممكنة لأن اللغز الأساسي في هذه العملية هو خيار الناخبين الذين من بينهم من مازال لم يقرر بعد في ما إذا كان سيصوت أم لا، ومنهم من لم يحدد بعد على من سيصوت، فبقدر ما كان القرار النهائي ناتجا عن قناعات وليس عن امتيازات آنية، ضررها أكثر بكثير من نفعها، بقدر ما أمكن تدارك ما فات. إنها أولا وقبل كل شيء مسؤولية الأحزاب التي عليها أن تستعيد الثقة الضائعة، ففي غياب قانون يلغي نتائج الانتخابات إذا كانت نسبة الامتناع عن التصويت مرتفعة، فإن التهافت على المقاعد بتغليب منطق الغاية تبرر الوسيلة سوف لن يسفر إلا عن توسيع الهوة بين الأحزاب والمواطنين، ومن لا يعي مخاطر هذا الوضع لا يحق له أن يمارس السياسة وبالأحرى أن يترشح ليكون من بين من سيشرعون القوانين التي ستتحكم في مستقبل البلاد وفي ظروف عيش الأجيال المقبلة، فسلطة المال والنسب التي كثيرا ما اعتمدت في حرق المراحل قابلة لأن تتحول إلى نكسة تأتي على الأخضر واليابس، وإذا كان الفقر أقرب إلى الكفر فإن اللهفة أقرب إلى الانتحار.