عبد القادر الحيمر

قد يكون في تزامن ارتفاع أسعار المحروقات بحوالي نصف درهم في اللتر مع صدور الحكم القضائي الاستئنافي القاضي بتصفية المصفاة الوحيدة بالمغرب "سامير" ما يوحي بأن سوق المحروقات سيلهب نيران مختلف الأسعار وسيزيد من حدة التوترات الاجتماعية، لكن هذا المنطلق الذي له ما يبرره، ما دام أن أسعار برميل البترول لا تزال متدنية ومنحصرة في حدود 50 دولار لبرميل برنت بينما أسعار  المحروقات  في محطات الوقود اقتربت كثيرا من الأسعار التي كانت مطبقة عندما كان سعر البرميل قد وصل إلى 115 دولار للبرميل، يمكن اعتماده كمحفز على معالجة الداء من أصله، ولعل أحسن علاج هو الانضباط لروح الدستور المغربي ولمضامين القوانين المعمول بها، والتي تعتبر محاربة الاحتكار إحدى مقوماتها وركائزها.

إن العمل بهذا المبدأ يفترض الإقرار بأحد الأمرين فإما أن يتم تأميم سامير وإما أن يتم الترخيص لبناء مصافي أخرى، أما الترخيص باستيراد البترول المصفى فما هو إلا صيغة من صيغ تأويل القانون خاصة وأن نزع الاحتكار عن الدولة وتفويته إلى القطاع الخاص هو أبشع صورة لتطبيق مقتضيات المنافسة الشريفة.

بالرجوع إلى التجربة الفرنسية يتضح أن شركة طوطال التي قدرت خسائرها بحوالي 40 مليون أورو في الأسبوع، تتوفر على برنامج استثماري بقيمة 400 مليون أورو وهو ما يعني أن صناعة تكرير البترول لا تزال صناعة مربِحة ومن المفروض في المغرب، الذي يسعى إلى أن يكون معْبرا رئيسيا للربط بين القارة الإفريقية وباقي دول العالم، أن يستخلص الدروس والعبر من الخيار الفرنسي ويبادر إلى الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية، وفي هذا السياق  لا يمكن التدرع بصعوبة الحصول على التمويل الكافي لأن من يقول بأن السوق المالية الدولية مستعدة لتزويد المغرب بأضعاف الديون التي يطالب بها، يمكنه أن يلجأ إلى الاقتراض من أجل الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية مثل تكرير البترول والنقل البحري للمسافرين والبضائع.

بالاستناد إلى الأخبار الواردة من القارة الأوروبية يتضح أن عدوى الحركات الاحتجاجية التي اتسعت لتشمل 16 من مجموع 19 مفاعل نووي، انتقلت من فرنسا إلى جارتها بلجيكا، وهو انتقال يقوي الطرح الذي يرى بأن الديمقراطية المعمول بها حاليا لم تعد تنفع إلا المنتخَبين الذين سرعان ما يتنصلون من البرامج والوعود التي اعتمدوها في كسب الأصوات ويتبنون خطابا وبرامج تتناقض تماما مع ما ينتظره الناخبون منهم، وبالفعل فإن المفهوم الجديد للديمقراطية صار يقوم على المواجهة المباشرة لتلبية المطالب، ورغم كل الانتقادات الموجهة لما عرف باسم الربيع العربي، فإن مجرد استحضار المظاهرات الصاخبة التي أطاحت بالرئيسة البرازيلية واستخلاص الدروس من تطورات الأوضاع في اليونان ومن الوضع الحالي في فرنسا بفعل المواجهة القوية بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة من جهة وبين النقابات من جهة أخرى، فيه ما يؤكد بأن العالم يسير نحو ديموقراطية تقوم على فقدان الثقة في النخب السياسية ونحو تبنّي علاقات جديدة تٌفضي إلى الإنصاف والعدالة وإلى وضع حد لسلطة المال والقوة.

لقد أبت الصدف إلا أن تتزامن الحركات الاحتجاجية في فرنسا مع التقلبات المناخية التي أغرقت عدة مناطق في فرنسا وألمانيا وغيرها في المياه والأوحال وهو ما زاد من عرقلة حركة التنقل ومن صعوبة التموين، وبعد أن توقعت مصالح الأرصاد الجوية تساقط المزيد من الأمطار في المناطق التي تعرضت لكارثة طبيعية ، فقد صار من المرتقب أن يسفر إضراب النقل الجوي المقرر ما بين 11 و 14 يونيو الجاري عن إعطاء الحركة الاحتجاجية الفرنسية بعدا دوليا ما دام أنها ستتسبب بدون شك في عرقلة التظاهرة الرياضية أورو 2016 لكرة القدم التي راهنت الحكومة الفرنسية كثيرا على إنجاحها.

الصدف الماكرة التي ألحقت أضرار بليغة بالعديد من الأسر الفرنسية وعرضت شركات التأمين إلى تحمل كلفة قد تفقدها القدرة على الاستمرار في مواصلة مهامها، قابلة للتحول إلى عدوى تصيب كل من تهاون في حماية نفسه من عواقبها، وفي المغرب تبدو الوضعية مختلفة ولكنها لا تخلو من مخاطر لعل من أبرزها الغموض الذي يهيمن على المستقبل السياسي للجارة الجزائر التي افتقدت قدراتها على السيطرة على صنيعتها البوليزاريو عقب وفاة محمد عبد العزيز، وتعيش الآن مخاض البحث عمن سيخلف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يعاني من تدهور حالته الصحية ويتهم بالعجز عن القيام بالمهام المنوطة به، فعدم الاستقرار في الجزائر لا يخلو من مخاطر على المغرب، وفي هذا وحده ما يجعل من تعزيز الجبهة الداخلية خيارا لا مفر منه

 كل من يقبل بالانفتاح على الخارج لابد له من تحصين نفسه على كافة المستويات لأن سيادته مرهونة بهذا التحصين وخاصة في المجال الاقتصادي المرتبط بالأمن الغذائي وبالاستقرار السياسي وبالتنمية المستدامة ومن ادعى غير ذلك فما عليه إلا أن يستخلص العبر مما يروج في محيطه الذي اتسع بفضل الثورة المعلوماتية وأن  يهيأ نفسه لحصد ما يزرعه، ومن زرع الريح حصد الزوبعة.