عبد القادر الحيمر

تعيش مختلف دول المغرب العربي خلال الفترة الراهنة وضعا ينبئ بمخاطر لا يحمد عقباها، فحتى المغرب الذي شكل طيلة العقد الأخير استثناء يعد بالمزيد من الاستقرار والنمو، دخل في متاهات سياسوية، لعل الذين تسببوا فيها، سواء من الداخل أو من الخارج، لا يقدّرون حجم الخسائر التي يمكن أن يتكبدوها فيما لو فشل المغرب في التصدي لها في الوقت المناسب.

إن المغرب الذي اعتاد على التصدي للمناورات التي تحاك ضده، وخاصة منها تلك التي يخطط لها ويمولها حكام الجزائر، راكم من التجارب ما يؤهله للمزيد من الصمود ومن التوجه بخطى ثابتة نحو تحقيق غد أفضل، وقد بات من المؤكد أن خياراته الآنية والمستقبلية لا يمكنها أن توتي أكلها إلا إذا انطلقت من أن الجزائر الرسمية ستستمر في التغطية على واقعها الداخلي، المتميز بارتفاع وثيرة التقهقر وتدنّي مستوى عيش أوسع الشرائح الاجتماعية، بتمويل كل المخططات التي يمكنها أن تسيء للمغرب، وكل ذلك تحت ذريعة الدفاع عن مشروع بناء دولة جديدة بالمنطقة على حساب الوحدة الترابية للمغرب.

إن العقود الأربعة الأخيرة حملت ما يؤكد بأن حكام الجزائر لم يعد بإمكانهم التراجع على السياسة الخارجية التي لولاها لما حافظوا على مواقعهم، كما أفرزت واقعا اجتماعيا نتج بشكل خاص عن تبني المغرب لخيارات تستحضر الموقف الجزائري وترجئ المشاريع التي تقوم على التعاون الثنائي إلى حين اقتناع الجارة الشرقية بأن مصلحتها تتمثل في فتح الحدود البرية وفي الانخراط فعلا في المشاريع التي تفضي عمليا إلى بناء مغرب عربي موحد. أهم ما يميز هذا الواقع الاجتماعي الجديد يتجلى في الاستثمارات التي حولت المنطقة الشرقية للمغرب إلى ورش كبير لإنجاز البنيات التحتية ولاستقبال المشاريع التنموية، ولعل ما تحقق هو الذي يزيد من غيض حكام الجزائر ويجعلهم أكثر إصرارا على منع الجزائريين من زيارة جيرانهم المغاربة في مدن وجدة والسعيدية وفكيك وغيرها، ورغم أن المشاريع التي ينجزونها في المناطق الحدودية مع المغرب غالبا ما تكون من باب طمأنة السكان الذين تدهورت أوضاعهم المعيشية بشكل ملحوظ، فإن الآمال تبقى معقودة على أن تحمل السنوات المقبلة أخبارا مفرحة تكون الساكنة المحلية هي أول من يستفيد منها ومن انعكاساتها.

إن التحول قادم ما في ذلك من شك، وحتى إن لم نكن من الذين يراهنون على أن يقوم الجنرالات بانقلاب على الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سنة 2017، كما جاء في بلاغ لزيدان القناني المتحدث الرسمي باسم منظمة العدل والتنمية، وهي منظمة إقليمية لحقوق الإنسان بالشرق الأوسط، إلا أن معطيين اثنين على الأقل يؤكدان هذا التحول، أولهما تدهور الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة وثانيهما انتهاء عهد بحبوحة الريع البترولي، إذ يرتقب أن تتأرجح أسعار برميل البترول بين 40  دولار و 60 دولار في أحسن الأحوال، فبدون مراجعة جذرية للسياسة الخارجية التي تفرض المزيد من الإنفاق في التسلح وفي الأنشطة الدبلوماسية دون أن يكون لذلك أي انعكاس إيجابي على جودة العيش، فإن التشبث بالخيارات الاستراتيجية الحالية سيزيد من مخاطر التعرض إلى الأسوأ.

الأسوأ الذي يواجه الجزائر يتمثل بشكل خاص في الوضع الأمني بالمناطق الشرقية والجنوبية، وقد سبق للحكومة الجزائرية أن بررت رفع ميزانية الجيش بضرورة توفير شروط الصمود في وجه المد الإرهابي، أما وقد أسفر التدخل الروسي في سوريا عن تمكين الجيش السوري من طرد داعش من حلب فإن المسلحين المنهزمين الهاربين من سوريا ومن العراق صاروا يرون في تونس وليبيا موطنا جديدا لاحتضانهم، وبما أنهم يحملون معهم سجلا مليئا بالجرائم المرتكبة ضد الإنسانية فإنهم لا يطمعون في التوبة وبالتالي فإنهم سيسعون إلى بناء مشروعهم الرامي إلى ما يسمونه بالدولة الإسلامية في المغرب العربي، وسعبهم هذا يفرض بالضرورة استغلال مواطن ضعف الجزائر لبسط نفوذهم ولتأمين الاستمرار في التوصل بالدعم من الجهات التي تمول أنشطتهم الإرهابية.

كل من يغار على الجزائر لا يمكنه إلا أن يستحضر النقاش الدائر حاليا بين الأوساط السياسية التونسية حول الإجراءات التي ستتخذها الحكومة تجاه الدواعش الفارين من الحرب الدائرة في العراق وسوريا، وسواء تم تجريدهم من الجنسية التونسية ومنعهم من الدخول أو تمت محاكمتهم على ما اقترفوه من جرائم أو تم العفو عنهم، فإن بوادر انقسام الطبقة السياسية التونسية حول هذا الموضوع استحوذت على الساحة الإعلامية وصار من الممكن أن تتسبب في إضعاف الحكومة التي هي في أمس الحاجة إلى من يدعمها لعلها تفلح في إنقاذ تونس من الإفلاس، فتونس في أمس الحاجة إلى من يدعمها وليس إلى من يستغل ضعفها لإرغامها على اتخاذ مواقف تتناقض مع خياراتها.

الوضع في موريتانيا لا يدعو بدوره إلى الاطمئنان ذلك أن قيادة هذا البلد التي تخلت عن حيادها وانحازت بشكل جلي للأطروحة الجزائرية المعادية للوحدة الترابية للمغرب، عرضت نفسها لمخاطر هي في غنى عنها وحرمت نفسها من القيام بالدور الوحدوي الذي يمكنها من التغلب على مشاكلها الحقيقية التي تتجاوز الصراعات الحادة القائمة بين الحزب الحاكم والمعارضة حول نمط تدبير الشأن وتطرح بحدة إشكالية الحراطين الذين يستعينون بقوى وحركات وشخصيات حقوقية من أجل مكافحة العبودية والرق أما وبعد أن أصبح مرتزقة البوليساريو العائدين من ليبيا ومن مالي وغيرها يتنقلون بحرية شبه تامة في الأراضي الموريتانية فقد صار من الضروري البحث عن صمام الأمان الذي يقي من تحويل أجزاء من موريتانيا إلى مواقع يتمركز فيها الإرهابيون ويحول دون تعرض كل دول الجوار إلى عمليات إرهابية يزيد حصر التعاون الأمني بين دول المنطقة في حدوده الدنيا من صعوبة التحكم فيها والتصدي لها.

المخاطر التي تهدد مختلف دول المنطقة متعددة ومتنوعة، لكن يبدو أن أسوأها هو دخول بعض القيادات السياسية في متاهات لا فائدة ترجى منها على غرار ما وقع في المغرب الذي اضطرت أجهزته الرسمية إلى تصحيح ما صدر عن قياديين سياسيين وعن مواقع اجتماعية، وهذا الوضع الذي أغفل في مرحلة أولى مستوى التحسن الذي عرفته العلاقات مع روسيا بعد الزيارة الملكية لموسكو، وفي مرحلة ثانية تبنى أطروحات تتناقض مع الموقف الرسمي المغربي وتهدد بنفس ما تم بناءه من علاقات أخوية مع موريتانيا، لا يجوز له أن يتكرر خاصة أن المغرب يتبنى توجهات استراتيجية تقوم على تحقيق التنمية المتقاسمة والمستدامة في القارة الإفريقية ولا يدخر جهدا في إطلاق مشاريع تنموية لا يمكن لأي كان أن يشكك في جدواها لأنها قائمة على الحوار والتشاور والتعاون والاحترام المتبادل.