عبد القادر الحيمر

بينما تعيش فرنسا على إيقاع اضطرابات اجتماعية مناهضة لمشروع قانون الشغل، وبدأت مؤسساتها الإنتاجية وقطاعاتها الخدماتية تتحمل يوما بعد يوم خسارات فادحة، صار من المنطقي التساؤل عما إذا كان المغرب، ومعه باقي دول شمال إفريقيا سيكتوون بدورهم بلهيب الأزمة الفرنسية التي لا أحد يدري متى وكيف ستنتهي.

كل الأخبار تؤكد أن الوضع في فرنسا يسير نحو المجهول، فهذه الدولة التي عانت طيلة السنين الأخيرة من ضعف النمو الاقتصادي ومن تزايد التوتر الاجتماعي ثم من الإرهاب، تواجه اليوم عواقب سياسة شد الحبل بين الحكومة والنقابات على خلفية مشروع قانون الشغل، الذي تشبث الرئيس فرانسوا هولاند باستعمال كل السلط التي يخولها له القانون من أجل تمريره، وبغض النظر عن مضامين الاتهامات المتبادلة بين الطرفين فإن اتساع الحركات الاحتجاجية مس في مرحلته الأولى بشكل خاص قطاع الطاقة حيث اضطرت الحكومة إلى الشروع منذ يومين في التعويض عن توقف الإنتاج في مصافي البترول بالضخ من المخزون الاستراتيجي الذي يكفي لسد الحاجيات طيلة ثلاثة أشهر،  أما المرحلة الثانية فأعلنت النقابات بأنها تتجه نحو التوقيف التدريجي للإنتاج بالمفاعلات النووية التي تعتبر مصدر الطاقة الكهربائية بفرنسا، ووفق هذا المنحى صار من المؤكد أن الحكومة الفرنسية ستعمل على اعتماد الاستيراد كوسيلة للتقليص من الطلب على المخزون الاستراتيجي للطاقة، وحتى عملية الاستيراد قد لا تكون هينة لآن قطاع النقل بأكمله تأثر من جهة بارتفاع عدد محطات التوزيع التي نفذ مخزونها من المحروقات، ومن جهة ثانية باضطراب حركة النقل عبر السكك الحديدية، وقد صار من المرتقب أن ينعكس هذا الوضع على القطاع السياحي وبشكل خاص على حركة النقل الجوي عبر المطارات الفرنسية.

لاشك أن الأوضاع الصعبة التي تجتازها فرنسا ستنعكس على مختلف شركائها سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو داخل مستعمراتها السابقة. سوف لن نقف عند مختلف العوامل التي دفعت إلى اعتماد مقتضيات حالة الطوارئ في فرنسا كوسيلة لضرب العديد من الحريات وللتراجع عن الكثير من المكتسبات، ولكن مجرد التوجه نحو استعمال القوة، في مواجهة الأساليب المعتمدة من طرف النقابات لفرض رأيها، فيه ما يؤكد أن التدهور المتزايد للوضع الاقتصادي بفرنسا سيقرض على المغرب ومعه باقي دول شمال إفريقيا، الاستعداد لمواجهة ما هو قادم.

من بين ما هو قادم في الأمد القريب، يبرز جانب التموين كمشكل قد يكون له الأثر الكبير على الاقتصاد المغربي، فسواء تعلق الأمر بالصادرات المغربية التي قد تتأثر باتساع الحركات الاحتجاجية لتشمل قطاع الموانئ الفرنسية وقطاع النقل الطرقي، أو بالواردات التي قد تفرض البحث عن أسواق بديلة، فإن مجرد تمديد فترة توقف المصفاة المغربية الوحيدة للبترول، سامير، ستكون له انعكاسات على سوق المحروقات ما دام أن السوق الفرنسية ستمتص حصة كبيرة من فائض المخزون الأوروبي وما دام أن الطلب المغربي المتزايد على المحروقات صار يخضع كليا لاستيراد المنتجات المصفاة، والمشكل لا ينحصر هنا في تحديد مدى قدرة الآليات الحكومية على حماية المستهلك المغربي من الزيادات غير المبررة في الأسعار عند الاستهلاك، وإنما يتسع ليشمل بشكل خاص نوعية الإجراءات التي ستقي النسيج الاقتصادي الوطني من مخاطر الاضطرار إلى التوقف عن النشاط الصناعي أو الخدماتي لمجرد أن المستوردين تعذر عليهم تأمين تموين السوق الداخلية بأسعار تحمي المقاولة المغربية من فقدان قدراتها التنافسية.

هذا التخوف ينطبق بشكل خاص على شركة الخطوط الملكية المغربية التي يعول عليها في ربح رهان جلب المزيد من السياح والمستثمرين، وفي تحويل المغرب إلى بوابة للربط بين القارة الإفريقية وباقي أنحاء العالم، ومصدر التخوف هو أن الرحلات بين المطارات المغربية والمطارات الفرنسية تستحوذ على حصة هامة من مجموع الرحلات التي تنجزها الناقلة المغربية، وحتى الرحلات التي تنجزها في اتجاه القارة الإفريقية فإن نسبة كبيرة من الركاب الذين يسافرون عبرها لا يتوقفون في المغرب، وإنما يتخذون منه محطة عبور فقط. لنا أن نتصور ماذا سيحدث لو تحقق سيناريو اتساع الاحتجاجات النقابية الفرنسية لتشمل حرمان المطارات من التموين بالمحروقات، هل سيكون المستوردون المغاربة للمحروقات في مستوى رفع التحدي واستغلال الوضع لتنويع مصادر التموين؟ هل ستكون المطارات المغربية قادرة على توفير طلب الطائرات المغربية والأجنبية التي ستحط بها علما بأن الأسابيع المقبلة ستشهد في مرحلة أولى موسم عمرة رمضان وستتلوها مرحلة العطل السنوية المتميزة بالتحاق مغاربة الخارج بأرض الوطن ، وتتلوها بعد ذلك مرحلة الحج التي ستتزامن مع مغادرة مغاربة الخارج إلى الدول التي يستقرون بها؟

إن الدافع إلى طرح هذه التخوفات هو العمل على مواجهة الوضع قبل استفحاله، فإذا كانت بعض المدن الفرنسية قد بدأت تعاني من انقطاع التيار الكهربائي ومن صعوبة التموين بمحروقات السيارات والشاحنات علما بأن فرنسا تتوفر على 8 محطات لتصفية البترول وعدة مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء فكيف للمغرب أن يواجه المخاطر التي تحذق به اعتمادا على الاستيراد بينما المصفاة التي يتوفر عليها حتى وإن كانت لا تنتج وقود الطائرات إلا أنها قادرة على تلبية ما لا يقل عن 60% من حاجياته ولكنها معطلة عن العمل منذ عدة شهور، والسبب هو المساطر القانونية المعتمدة في فض النزاع القائم بين المستثمر السعودي والحكومة المغربية.

في مثل هذه الأوضاع يكون الأمل هو أن تبدد الأيام المقبلة كل التخوفات السالفة الذكر، ولكن الأمل وحده لا يكفي لأن من تذوق مرارة فقدان أسطول النقل البحري لا يمكنه إلا أن يدفع في اتجاه إنقاذ مصفاة سامير في هذا الظرف الحرج والعمل بشكل فوري، دون الرضوخ للابتزاز، على تسخير إنتاج هذه المصفاة في مواجهة السيناريوهات الأكثر تشاؤما، لأن في إنقاذها إنقاذ للكثير من المنشآت وتوجه نحو التقليل من تبعية الاقتصاد الوطني للتقلبات التي تشهدها دول محيطنا الجغرافي، والتي قد يكون الآتي منها أشد قساوة.