مراسلة خاصة

في جو حميمي مضياف وفي فضاء فكري وعلمي بامتياز، وبمقره بالرباط، استضاف النادي الجراري يوم الجمعة 20 يونيو 2014 الباحث الأثري أبوالقــاسم الشـــبري لتقديم عرض في تراث دكالة-عبدة وتقديم كتابه "دكالة وإيالتها. جهة دكالة-عبدة، تــاريخ وآثــار". وقد ترأس الجلسة الباحث محمد الراضي الشوفاني، وكان الدكتور محمد احميدة مقررها، ودارت الجلسة تحت إشراف رئيس النادي الدكتور عباس الجراري عميد الأدب المغربي وبحضور عدد هام من أعضاء النادي من مفكرين وباحثين وجامعيين، مغاربة وبعض الأشقاء العرب.

وقد كان العرض مناسبة ثمينة وقف فيها هذا الجمع الفكري المتميز على جوانب هامة ومطمورة من تاريخ وتراث دكالة-عبدة، لكون العارض جال في تاريخ وتراث إقليم وجهة بعينهما كرافد من روافد التاريخ العام. وطبيعي أن يأتي بمعلومات ضافية ودقيقة عن المنطقة، وهذا ما لا يمكن أن يتوفر حين ننتناول التاريخ العام لأي بلد والذي لا يمكنه إلا أن يغطي على التاريخ المحلي. ولذلك لم يفت الحاضرين التأكيد على أهمية، بل ضرورة العناية بالتارخ المحلي والجهوي، على أنه من اللازم تجميع هذه التأريخات المحلية والجهوية من أجل صياغة التاريخ العام للوطن من جديد، بشكل منهجي وضوابط علمية ورؤية جديدة. غير أنه لابد من سن مسطرة ما تتيح "مراقبة" وتدقيق ما ينشر في / وعن المدن والأقاليم، لأن كثيرين من كتاب التاريخ المحلي في المغرب يعبثون بالتاريخ وينشرون "علم المقاهي" في كتب تصير مراجع للطلبة والباحثين وهو ما يشكل خطرا على دقة البحث العلمي، ينبه أبوالقاسم الشــبري دون مراء.

         لقد تناول الباحث الشــبري تاريخ دكالة (أي دكالة-عبدة اليوم) منذ ما قبل التاريخ، لأزيد من مائتي ألف سنة (مغارات الخنزيرة بمولاي عبدالله ومغارة جبل إيغود بنواحي اليوسفية) إلى تراث القرن العشرين إبان الاحتلال الفرنسي. غير أنه ركز على غنى وتنوع عمران العصور الوسطى من قصبات وحصون وحواضر، مثل أزمور التي بنيت قبل مدينة فاس، والمدينة (أي مدينة الغربية) التي كانت بها شوارع في زمن الزقاق والدروب الضيقة، وقصبة بولعوان، بهاء العلويين وعروس القصبات كما أسماها العارض، ورباط تيط (مولاي عبدالله) الذي يعد سوره أسبق وأقدم من سور مراكش وكذلك قصبة أكوز التي كانت ميناء أغمات، وكذا مازغان/الجديدة وأسفي اللتان كانتا من أهم معاقل البرتغال بالمغرب على الإطلاق.

ومما استوقف الحضور واستأثر بالنقاش الجدي، بل واستحق عليه العارض التنويه نسجل ما يلي :

-         الصرامة المنهجية والعلمية للباحث وتمكنه من المادة العلمية في تناول التاريخ والتراث الجهوي لدكالة-عبدة، بشكل انسيابي وأريحي،

-         عدم اختزال الباحث لتاريخ دكالة-عبدة في فترة الاحتلال البرتغالي كما يحلو لأغلبية الدارسين، رغم إبرازه للأهمية البالغة لهذه الحقبة، وما كان لها من إيجابيات وسلبيات على المنطقة والمغرب عامة،

-         انتقاد العارض لكل من يتباهى بالوجود الروماني وكأن الاحتلال صار نعمة مطلوبة، وذلك في معرض نفيه للوجود الروماني بدكالة. وقد أوضح أن كل مواقع شمال المغرب المنسوبة في الكتب إلى الرومان هي كلها أو جلها مواقع مورية الأصل (مغربية) سابقة على الوجود الروماني بشمال إفريقيا،

-         إبراز تنوع العنصر البشري بدكالة من أمازيغي الأصل إلى الوافدين من عرب أوربيين وأندلسيين وأفارقة لما كان يعرف ببلاد السودان، وغير ذلك مما أغنى ليس فقط دكالة ولكن لوحة الفسيفساء المغربية عموما،

-         الربط الرائع بين ظروف استعباد شاب أزموري (إستبانيكو – مصطفى الأزموري) ودوره في اكتشاف سواحل أمريكا الشمالية في نهاية ثلاثينات القرن السادس عشر بمحض الصدفة وبين اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية في سبعينات القرن الثامن عشر من طرف سيدي محمد عبدالله محرر البريجة (مازغان) سنة 1769م من قبضة البرتغاليين الذين سيُرحلهم ملكهم إلى البرازيل في نهاية القرن الثامن عشر ويبني لهم بالأمازون مدينة أسماها "المدينة الجديدة لمازغان" تذكرا للمدينة التي "أضاعوها" بدكالة.وقد حلا للمحاضر أن يثير هذه القضية عنوة مستغلا فرصة احتضان البرازيل لكأس العالم لكرة القدم.

-         الربط الذكي والمنهجي للعارض بين حيثيات الاحتلال البرتغالي لدكالة الكبرى وبين الظروف العامة إقليميا وعالميا واحتلال سبتة ومليلية وتمهيد ذلك لاجتزاء الأقاليم الجنوبية من المغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

كل هذه الأمور التي فصل فيها القول الباحثون الحاضرون في نقاش عميق وطويل أكدت حضور المغرب، وليس دكالة فحسب، وتمازجه مع عدد من الشعوب سواء في مثل ظروف عصر النهضة الأوربية أو قبله خلال الوجود المغربي الإسلامي بالأندلس وكذا من خلال مركزية المغرب في عصر طرق القوافل التجارية الصحراوية أو حتى في العهود الفنيقية القرطاجية والرومانية. وقد أكد الحضور على أهمية إعادة التفكير في تاريخنا بمنطق جديد بعيدا عن الاستلاب الذي أصاب أبناء المستعمرات بالمشرق والمغرب، دون السقوط في الشوفينية والذاتية المفرطة. وقد اتفق في هذا الباحثون الحاضرون بالنادي من مغاربة ومشارقة. كما أجمع الحاضرون، وهم يناقشون تاريخ وتراث جهة دكالة-عبدة، على ضرورة العناية بالتاريخ والتراث على مستوى كل إقليم وجهة وتشجيع الباحثين في ذلك، ونحن بالمغرب على أبواب اعتماد الجهوية المتقدمة والموسعة.

وقد كانت تدخلات الدكتور عباس الجراري مجملة لكل الاستفهامات ومناطق الظل والإضاءات سواء من الناحية المنهجية أو المعرفية وقد أنار الحضور بمضامين عميقة يمكن إدراجها في باب العلم المقارن بفعل سعة مداركه الفكرية والعلمية وما اكتسبه من معارف خارج المغرب سواء خلال دراساته الجامعية أو بفضل رحلاته العلمية والمهنية. ولم يفت عميد الأدب المغربي، كأصدقاءه من أعضاء نادي الجراري، أن ينوه بالقدرات الفكرية والمنهجية للباحث أبوالقاسم الشــــبري، وقد جدد له ثناءه على كتابه "دكالة وإيالتها..." الذي كان السبب في تشريف الباحث ودعوته إلى نادي الجراري ليقدم كتابه ويحاضر في تاريخ وتراث دكالة.

يذكر أن النادي الجراري الذي كان قد تم تأسيسه في أربعينيات القرن العشرين من طرف المرحوم السي عبدالله الجراري، يرعاه ويرأسه اليوم ابنه الدكتور عباس الجراري، عميد الأدب المغربي والمفكر المعروف ومربي أجيال وأجيال. وهو بذلك يستمر في هذه السنة الحميدة لجمع مفكرين وباحثين حول مواضيع فكرية وأدبية وعلمية واجتماعية، يتداولون فيها وفق برنامج مضبوط، وذلك طيلة السنة، حيث يلتئم النادي مرة في الأسبوع بلا كلل أو ملل. وهذا هو المأمول والمطلوب من كبار المثقفين المغاربة لأن إشاعة ثقافة النوادي، على الأقل في كبريات مدن المغرب، هو سبيل من سبل تطوير البحث والعلوم بمختلف تلاوينها. ومن مثيل هذا النادي خرج مفكرون كبار، منذ عهد كايوس سييلنيوس مايسيناس، راعي الفلاسفة والشعراء الإغريق.