عبد القادر الحيمر

قرر رساء الدول الإفريقية ، يوم الاثنين 30 يناير 2017،  إعادة عضوية المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، أما بالنسبة لملف النزاع القائم حول وحدة المغرب الترابية فحصل التوافق على أن يؤجل بحثه إلى وقت لاحق

بناء على هذا القرار الصادر عن  الدورة الثامنة والعشرين للمنظمة الإفريقية المنعقدة في أديس أبابا يمكن القول أن القارة الأفريقية دخلت منعطفا جديدا يمهد للدخول في مسار حقيقي للتنمية المستدامة والمتقاسمة، ذلك أن المغرب الذي انخرط في هذا المسار وعمد إلى تقاسم تجربته التنموية مع عدة دول من شرق وغرب القارة الإفريقية يراهن على أن تتقوى ثقة الأفارقة في إمكانياتهم الذاتية وأن يتم التركيز على التعاون بين دول الجنوب بمنطق يؤمن الربح لكل الأطراف بدل الاستمرار في الاعتماد على العلاقات المبنية على المساعدات والهبات التي غالبا ما تقل قيمتها الإجمالية بكثير عن المكاسب السياسية والاقتصادية والمالية التي يجنيها من يضعون أنفسهم في خانة الداعمين والمساعدين وما إلى ذلك من النعوت التي تخفي واقع الاستغلال الذي لولاه لما تحولت القارة السمراء الغنية بمواردها الطبيعية والبشرية إلى مجموعة دول عاجزة عن إطعام  الساكنة وعن توفير الحدود الدنيا من شروط العيش الكريم.

إذا كانت هذه الخيارات التي تمحورت حولها زيارات الملك محمد السادس إلى العديد من الدول في كافة أرجاء القارة الإفريقية قد قوبلت بالترحاب والدعم من طرف أغلبية قادة إفريقيا فإن تأجيل معالجة ملف الصحراء إلى وقت لاحق ما هو في الواقع إلا خيار توافقي أملته الرغبة في الحفاظ على وحدة المنظمة والرفع من عدد أعضائها، ولكن هذا التوافق لا يخلو من معيقات ذلك أن قبول كل من المغرب والجزائر بهذا الحل الوسط سيفرض على هياكل المنظمة الإفريقية أن  تتأقلم مع الوضع الجديد المتمثل في أن الهيمنة التي مارستها الجزائر منذ انسحاب المغرب في 1984، من منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي حاليا) احتجاجاً على قبول الأخير لعضوية جبهة “البوليساريو”، التي تطالب بانفصال الصحراء عن المغرب، لم تعد قائمة، بل إن الجزائر التي كانت في موقع الهجوم صار همها الأساسي اليوم هو العمل على كسب رهان الحفاظ على عضوية الجمهورية الصحراوية التي جعلت منها ورقة سياسية تجني ثمارها بشكل خاص على مستوى إخفاء إخفاقاتها التي جعلت من الجزائريين شعبا فقيرا يعيش في دولة غنية.

شتان ما بين 1984 و 2017، فكل المعطيات تغيرت، ليس فقط على مستوى القارة الإفريقية ولكن كذلك على المستوى الدولي، وفي خضم هذه التغيرات استقطبت القارة الإفريقية أنظار كل القادة السياسيين والفاعلين الاقتصاديين الذين صاروا يراهنون على تقوية تواجدهم ونفودهم في القارة السمراء التي تتميز عن باقي القارات بكونها تؤمن تحقيق معدلات نمو مرتفعة وتتوفر على ثروة هائلة من الموارد الطبيعية، وإذا كان القادة الأفارقة قد تأقلموا مع كل هذه التحولات وصاروا بدورهم يبحثون عن حماية ثرواتهم ويسعون إلى التحرر من الهيمنة السياسية والاقتصادية والمالية الأجنبية، فإن تضارب المصالح سينعكس بالضرورة على الخيارات التي سيتم الدفاع عنها داخل هياكل الاتحاد الإفريقي، وبعد أن بات من المؤكد أن القادة الجزائريين، الذين ظلوا طيلة حياتهم السياسية يتخذون من صنيعتهم البوليساريو ومن جمهوريتهم الوهمية فوق التراب المغربي غطاء على ما راكموه من ثروات على حساب القوت اليومي للشعب الجزائري، سيعملون على استغلال "حنكتهم" السياسية في إيهام الشعب الجزائري بأن ما تحقق في مؤتمر أديس أبابا هو بمثابة نصر للديبلوماسية الجزائرية، وسيعملون أكثر على نسيان كل المؤامرات التي حاكوها ضد المغرب على أمل إبقائه معزولا داخل القارة السمراء، وإذا ما تأتى لهم ذلك فإنهم سيسعون إلى المطالبة بالمزيد من الإنفاق، من خزينة الدولة الجزائرية، على هذا الملف الذي لم ينهك الجزائريين والمغاربة فحسب، ولكنه كانت له عواقب وخيمة على القضايا الإفريقية والعربية والإسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

 الأن وبعد أن عبرت 39 دولة من أصل 54 عن دعمها لعودة المغرب إلى حظيرة الاتحاد الإفريقي وأكدت رئاسة لجنة الاتحاد الإفريقي بأن هذه العود ة تعد ثمرة سياسة استباقية ومتواصلة للملك محمد السادس، ولرؤية ملكية من أجل تطوير تعاون جنوب-جنوب وشراكة على أساس رابح-رابح بهدف الدفاع عن القضية الوطنية الأولى فقد بات من المؤكد أن قدرات القادة الجزائريين على افتعال العراقيل ستنتج المزيد من المشاكل والعراقيل، وهذا معناه أن المغرب سيكون مطالبا ببدل المزيد من الجهود على مستوى التنمية المحلية لأن ما حققه على هذا المستوى هو الذي مكّنه من تحمل كلفة صد كل المحاولات الرامية إلى النيل من وحدته الترابية، وهو الذي أهله لإقناع غيره بجدّية طرحه وخياراته، ومن كان يؤمن بأن القادة الأفارقة ليسوا إلا مجرد مرتشين وطغاة فما عليه إلا أن يراجع أوراقه ويستحضر الحفاوة التي حظي بها العاهل المغربي في كل الدول الإفريقية التي حل بها، فما حمله معه من مشاريع تنموية وبيئية قوبلت بدعم قادة الدول الموقعة على الاتفاقيات الثنائية وشكلت لبنة أولى من لبنة مسيرة ما أحوج القارة الإفريقية إليها، إن على كل من يسعى إلى التفرقة في القارة الإفريقية أن يتذكر بأن الطرح الانفصالي قابل لأن يمس حتى الذين يعتبرون أنفسهم غير معنيين به، كما أن على كل من يسعى إلى التوحيد أن يتذكر بأن مشاريع الخير والنماء لا يمكنها أن تنتشر عبر القارة ما لم تكن قائمة على أرضية تعتمد كنموذج للمشروع المجتمعي المراد إقراره وخاصة ما يرتبط منه بالمنجزات التي تحقق تنمية اقتصادية محلية تتوفر فيها معايير وشروط التنمية المستدامة والمتقاسمة وتساهم فعلا في تحسين مستوى عيش المواطنين وفي حماية البيئة، فعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي ليست مجرد استعادة للعضوية التي سبق التخلي عنها وإنما هي أساسا محطة تحول نحو ضخ دماء تنموية جديدة في شرايين قارة أنهكتها سياسة نهب الخيرات الوطنية من أجل تسخير اقتصاد الريع في عرقلة المشاريع التنموية الحقيقية بالقارة الإفريقية.