تجني أوروبا خاصة فرنسا وإسبانيا ثمار فشلها الذريع في إدماج الجالية المغاربية، ولاسيما منها الجيل الثالث، الذي أصبح ضحية الشبكات الإرهابية التي تستغل افتقاره للتكوين والمعرفة وانسلاخه عن هويته الثقافية والدينية وتتخذ منه سلاحا بشريا جاهزا لضرب أوروبا في عقر دارها

عبد القادر الحيمر

إلى أين تسير العلاقات المغربية الإسبانية في ظل الهجمة الإعلامية الشرسة على المغاربة عقب الهجوم الإرهابي على برشلونة؟

نطرح هذا التساؤل لأن الانتقائية المعتمدة من طرف الأوروبيين في معالجة الملفات الحساسة غالبا ما تغفل الجوانب التي تؤكد بأن المغاربة هم ضحايا ما يقع وتركز بشكل كبير على الجوانب التي تبين بأنهم السبب في ما تتعرض له أوروبا من أضرار ليس الجانب الإرهابي فيها إلا الوسيلة الناجعة لإقناع المتلقي بمضامين الخطاب المراد تعميمه.

إن قتل الأبرياء أيا كانوا وأينما كانوا إنما هو عمل إرهابي يجب إدانته ولا مجال للتغطية عنه أو تبريره، وكل من يؤمن بهذا الطرح لا يمكنه إلا أن يستحضر المخاطر التي تنتظر المغرب، ومن خلاله القارة الأوروبية عقب استكمال المخطط الغربي الذي صار ينذر بهروب الذين التحقوا بداعش من بلاد الشام والعراق ليستقروا بشكل خاص إما في دول المغرب العربي أو في الدول الأوروبية التي ولدوا بها أو قضوا بها أطول فترة من عمرهم.

المخاطر المرتقبة لا يستهان بها وهي بذلك تفرض على كل الأطراف المعنية الإقرار بالأمر الواقع والاعتراف بأن الجيل الأول من المغاربة الذين هاجروا إلى أوروبا لم تكن لهم أية علاقة بالإرهاب أو بالجريمة المنظمة، وحتى الجيل الثاني من المغاربة الذين ولدوا خارج المغرب لم يصدر عنهم ما يجعل منهم مصدرا لتهديد الأمن في الدول التي ولدوا بها، فلماذا تمكنت القوى الإرهابية من إقناع بعض مغاربة الجيل الثالث من تنفيذ مخططاتها؟

لسنا هنا بصدد التماس العذر لهذا الطرف أو ذاك، ولكننا ونحن نستشرف مخاطر المستقبل نرى من الضروري التذكير بأن المغرب كان مستعمرا من طرف كل من فرنسا وإسبانيا وبأن السياسة الاستعمارية التي أعقبت الاستقلال السياسي هي التي فرضت النزوح الجماعي إلى أوروبا التي كانت حبنها في أمس الحاجة إلى اليد العاملة الرخيصة، فهؤلاء كغيرهم من الذين شاركوا قبل ذلك في الحروب من أجل استقلال فرنسا وإسبانيا، كانوا ضحايا مخططات استعمارية، اتسمت في كثير من الأحيان بطابع العنصرية، وفرضت عليهم العيش في أوساط مهمشة يستحيل معها الإدماج في دول الاستقبال. من المؤكد أن هناك استثناءات، ولكنها وحتى في الحالات التي تبهر الأوروبيين أنفسهم غالبا ما يتم حجب الهوية العربية والإسلامية عن الذين تميزوا في مجالات نشاطهم ويتم اعتمادهم كوسيلة للمفخرة بهم وكأنهم أوروبيين لا أصول عربية أو إسلامية لهم.

التعامل الأوروبي المجحف تجاه المهاجرين المغاربة يدفع إلى التساؤل عن الأسباب التي تحول دون العودة إلى الوطن الأم ومن أبرز عناصر الجواب نخص بالذكر ثلاثة مستويات:

 الأول مغربي داخلي وهو مرتبط بالنهج السياسي الداخلي الذي تميز بسوء توزيع الثروة وبتهميش العديد من المناطق الآهلة بالسكان وبتحويل التعليم والصحة والشغل والسكن من حق إلى ميادين للاتجار وتكديس الثروات، وحتى النقابات والأحزاب التي كانت تؤطر المجتمع وتحميه من السقوط في ما لا يحمد عقباه فقدت مصداقيتها وصار همها الأساسي هو البحث عن أي وسيلة توفر لها الحماية من الاضطرار إلى إعلان إفلاسها.

الثاني أوروبي داخلي، إذ على عكس دول شمال أوروبا التي تعاملت مع العرب والمسلمين على أسس تؤمن لهم الاندماج الكلي في قيم الدول التي يقيمون بها، فإن دول الجنوب وخاصة منها فرنسا وإسبانيا، فشلت فشلا ذريعا في إدماج أبناء وأحفاد من دافعوا عن استقلالها وساهموا بشكل كبير في إنجاز بنياتها التحتية، والتفرقة والمعاملة المهينة لم تقتصر على الجوانب المادية كالتجميع في مساكن مهمشة تنعدم فيها الخدمات الاجتماعية، وإنما طالت حتى الجوانب المعنوية وخاصة ما يرتبط منها بمحاربة الدّين الإسلامي وبمحاربة بعض مظاهره المرتبطة باللباس أو بتوفير اللحم الحلال.

الجانب الثالث يهم العلاقات المغربية الأوروبية، فرغم كل ما يقال عن مزايا اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وعن العلاقات المتميزة مع كل من فرنسا وإسبانيا فإن هذا الوجه البراق يخفي وراءه واقعا أقل ما يقال عنه أن إسبانيا بالذات صارت ترى في المغرب منافسا قويا، وهي بذلك تستغل انضمامها للاتحاد الأوربي لكي تفرض على المغرب شروطها الاقتصادية والتجارية، خاصة وأن الفشل في إقامة اتحاد المغرب العربي يحتم على المغرب التفاوض بشكل أحادي مع الشركاء الأوروبيين، لقد كان من نتائج هذا الوضع أن واجهت المنتجات الفلاحية المغربية  المصدرة إلى أوروبا عدة عراقيل لأنها استطاعت بجودتها أن تنافس المنتوج الإسباني في الأسواق الأوروبية، وكان من نتائجه كذلك أن تم فرض اتفاقية للصيد البحري تراعي المصالح الإسبانية أكثر مما تراعي مصالح المغرب، وبالموازاة مع ذلك تم تحويل مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين من طرف إسبانيا إلى مصدر لضرب قطاعي الصناعة والتجارة في المغرب من خلال التشجيع على التهريب المصحوب بإهانة من تفرض عليهم أوضاعهم المعيشية مزاولة مهنة نفل السلع المهربة، وحتى قطاع النقل البحري الذي يكتسي بالنسبة للمغرب طابعا استراتيجيا ، بل رمزا سياديا فقد تم القضاء عليه بإقرار معايير جديدة لم يستطع المجهزون المغاربة من الوفاء بها لأنهم لم يحصلوا على أي دعم من الحكومة أو من القطاع البنكي بينما الأساطيل الأوروبية استفادت من الدعم المادي والمعنوي

إن أوروبا التي تجتاز منذ عدة سنوات وضعا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا جد صعب لا ينتظر منها المغاربة أن تكون هي من يتولى البحث عن حلول لمشاكلهم، ولكنهم يريدون منها أن تكون واعية بالمخاطر التي تهدد وضعها الداخلي، ولها على هذا المستوى أن تستحضر التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الذين يشيدون بالدور الذي تقوم به الأجهزة الأمنية المغربية في مجال حماية أوروبا من هجمات إرهابية، ويشيدون كذلك بدور المغرب في محاربة الهجرة السرية وفي مكافحة تهريب المخدرات، فهذا المجهود الذي تعطى له الأولوية في الإنفاق على باقي القطاعات الاجتماعية الحيوية لا يمكنه أن يستمر إلا بالمساهمة في حماية المغرب من مخاطر الإرهاب التي تهدده، وفي هذا السياق لا نعتقد بأن الأوروبيين وخاصة منهم الإسبان والفرنسيين غير واعين بمخاطر نزوح جهاديي داعش من الشام والعراق إلى ليبيا واعتماد هذه الأخيرة كمقر جديد لبسط نفودهم مستعينين في ذلك بميليشيات البوليزاريو وبكوحرام وغيرهم ممن تعودوا على الارتزاق وصاروا جاهزين لتنفيذ كل ما يملى عليهم بما في ذلك دهس الأبرياء بالشاحنات بغض النظر عن أعمارهم وألوان بشرتهم وأجناسهم ودياناتهم، فبعد أن انتهى دور الإرهاب في الشرق الأوسط بتدمير أركان ومقومات الدولة في كل من العراق وسوريا، وبعد أن تم تأمين تفوق اسرائيل في المنطقة، صار من الضروري الإقرار بأن المحاربة الحقيقية للإرهاب لن تتحقق بالتعاون الأمني من أجل القضاء على الإرهابيين وإنما تقتضي التعاون في كافة الميادين من أجل إدماج كل المواطنين في المجتمعات التي يعيشون فيها وجعلهم سوى سية أمام القانون سواء تعلق الأمر بالواجبات أو بالحقوق.