عبد القادر الحيمر

تعيش تركيا اليوم على تبعات لغز كبير اسمه "الانقلاب العسكري الفاشل"، فبعد أن تأكدت استعادة الرئيس أردوغان لزمام الأمور في هرم السلطة فإن قراءة في جوانب متعددة من الوقائع والمواقف تستدعي البحث عن فهم ما جرى لعل ذلك يساعد على تحديد من دبر هذا الانقلاب ومن أجهضه ومن ربح من الضجة ومن خسر منها.

رغم الإعلان رسميا عن إبطال محاولة الانقلاب العسكري فإن وزير الدفاع التركي واصل التحذير من مخاطر لا تزال قائمة، وهذا التحذير تلته تعبئة قوية للمواطنين من أجل الخروج إلى الشارع، وعلى الساحة السياسية بادر الرئيس أردوغان إلى تحميل مسؤولية تدبير الانقلاب للمعارض فتح الله غولن المقيم بالديار الأمريكية، وعلى ضوء ذلك طالب الولايات المتحدة الأمريكية بتسليم هذا المعارض الذي وصفه بالإرهابي مؤكدا التزامه مقابل ذلك بتسليم كل الإرهابيين الذين تطالب بهم الإدارة الأمريكية، وقد جاء الرد الأمريكي سريعا حيث تم التأكيد على أن تركيا لم تتقدم بعد بأي طلب رسمي في هذا الشأن كما تم الإعلان عن استعداد السلطات الأمريكية لدراسة الطلب إذا كان مرفقا بأدلة تؤكد تورط المطلوب في تدبير أعمال إرهابية. أما غولن فنفى كل التهم الموجهة إليه وأعلن بأن المدبر الحقيقي للانقلاب قد يكون هو الرئيس أردوغان نفسه.

بالاستناد إلى الوقائع اعتمادا على الصور المباشرة التي نقلتها بعض القنوات التلفزية، وعلى ما واكب ذلك من تصريحات وتحاليل،  فإن محاولة الانقلاب أسفرت عن قتل ما لا يقل عن 265 شخصا من بينهم 104 على الأقل ممن انخرطوا في المحاولة الانقلابية، فضلا عن أكثر من 1440 مصاب، ومما لا شك فيه أن هذه الحصيلة البشرية الجسيمة مرشحة لأن تتعاظم بما سيتلوها من تحولات على مستوى كل الجوانب المرتبطة بتحديد المسؤوليات والسلط في تركيا.

مند أن استولى الانقلابيون على مقر التلفزيون وأعلنوا بيانهم الداعي إلى المساهمة في حماية الديمقراطية بالبقاء في البيوت، بادر أردوغان ورئيس الوزراء إلى دعوة الشعب، عبر السكايب، لاحتلال الشارع والتوجه إلى المطارات، وفعلا استجاب الآلاف للنداء ورفعوا شعارات مناهضة للانقلاب ووفروا للقنوات الإعلامية مادة تفيد بأن الشعب التركي برمته يساند أردوغان ويدين الانقلاب وهو من أجل ذلك مستعد للتضحية بروحه.

بغض النظر عن العدد الحقيقي للذين خرجوا للوقوف ضد الجيش المتمرد، فإن نسبتهم مقارنة مع مجموع سكان العاصمة أنقرة البالغ عددهم حوالي 5,5 مليون نسمة ومع سكان اسطنبول البالغ عددهم حوالي 14,5 مليون نسمة، تبقى ضعيفة ولكنها مع ذلك تؤكد من جهة بأن حزب العدالة والتنمية وقائده طيب رجب أردوغان يتوفر على عدد هام من المناضلين والمناصرين الذين عبروا عمليا عن استعدادهم للتضحية بالغالي والنفيس من أجل تلبية نداء القيادة الحزبية، ومن جهة ثانية على معارضة أن أردوغان وحكومته وحزبه لن تكون دريعة للتخلي عن واجب التصدي للحركات الانقلابية والإرهابية.

الإجماع الوطني حول رفض الحركات الانقلابية شكل عنصرا أساسيا من مجموع الرسائل التي أتث بها أردوغان خطابه، فقد بادر إلى الإشادة بموقف أحزاب المعارضة الرافض لخيار الانقلاب العسكري كما أنه حرص على إبراز دور الشعب في الصمود أمام الانقالبيين ودعا إلى الاستمرار في التواجد بالشارع العمومي لحماية المؤسسات والمنشآت.

بالأمس القريب خرج الشعب معبرا عن رفضه لسياسة أردوغان، وكانت ساحة تقسيم مسرحا لتدخل أمني قوي ضد المتظاهرين المسالمين، وعقب ذلك ارتفعت وثيرة هجمات تنظيم بي كا كا الكردي وعمليات داعش الإرهابية، أما التواجد العسكري في الحدود مع سوريا فكلف تركيا غاليا وقد كان من المرتقب أن يكلفها أكثر لولا أن اردوغان اعتدر لنظيره فلاديمير بوتين عن إسقاط طائرة حربية روسية، هذه الصورة القاتمة تدعو إلى التساؤل عن دور المؤسسات السياسية والأمنية في حماية وحدة وأمن تركيا، وتدعو للتساؤل كذلك عن موقع الحلف الأطلسي في ما حصل بتركيا، فكونه لم يكتشف مخطط الانقلاب العسكري مشكل، أما إذا كان على علم به أو ساهم في إعداده فهذا مشكل أكبر وأعمق.

في المرحلة الراهنة يمكن القول أن الرابح الوحيد من الانقلاب العسكري الفاشل هو أردوغان، وكيف لا وقد استطاع في ظرف وجيز وفي فترة استثنائية أن يعبئ أنصاره وأن يقضي على منفذي الانقلاب، وأن يقلص مرة أخرى من المكانة المتميزة التي حافظ عليها الجيش التركي طيلة عدة عقود، إنها حصيلة ستزيد من شعبيته وقوته ما لم تكشف الأيام القادمة ما يفيد أنه هو من كان وراء هذه المسرحية الدامية كما صرح به المعارض التركي فتح الله غولن.

وفي المرحلة الراهنة يمكن القول أن الخسارة شملت أكثر من طرف، فالخاسر الأكبر هو تركيا كدولة تجتاز مرحلة صعبة، مرحلة تجعلها في أمس الحاجة إلى توحيد الصفوف وإلى مواجهة العدو الخارجي الذي تحدده الأجهزة الرسمية في الأكراد والدولة الإسلامية، إن الظرفية لا تسمح بتنظيم انقلاب عسكري ولو بدافع الدفاع عن الديمقراطية، ومع أن الأحكام التي تنتظر من ألقي عليهم القبض ستكون في منتهى القساوة فإن الحكم الأقسى هو الذي طال المؤسسة العسكرية، فمجرد فشل مجموعة من الضباط السامين بمن فيهم الجنرالات والكولونيلات في تنفيذ مخططهم على الوجه المطلوب، خاصة أنهم يعرفون وضع عاصمة بلادهم أكثر مما يعرفون باقي المناطق التي يمكن أن تكون هي ساحة المعركة، فيه ما يهز سمعة المؤسسة العسكرية، أما الصور التي أظهرت رجال الشرطة يقودون المعتقلين الذين استسلموا بعد بضع ساعات فقط من الشروع في تنفيد الانقلاب، إلى السجون فهي تحمل من المؤشرات ما يجعل من تبقى من القيادة العسكرية يواجه وضعا جديدا قد تؤول فيه الغَلَبة للشرطة بدل الجيش، هذا فضلا عن ردود الفعل التي قد تنجم عن تنفيذ الأحكام المرتقبة والتي لا يستبعد أن تشمل إعدامات بالجملة.

الخاسر الآخر في هذه المرحلة هو الشعب التركي الذي كان نصيبه من الديمقراطية هو المزيد من فقدان الأمن والاستقرار، ومن تدهور الأوضاع الاجتماعية بفعل ارتفاع كلفة الوضع السياسي الجديد المتميز بالعقوبات الاقتصادية المطبقة على تركيا، سواء منها المعلن عنها، كما كان عليه الحال من طرف روسيا، أو غير المعلن عنها كما هو الحال بالنسبة للعديد من المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين الذين صاروا يتخوفون من مخاطر تدهور الوضع الأمني بتركيا.

لقد دعا أردوغان إلى البقاء في الميادين أسبوعا كاملا، وهي دعوة تمدد الفترة التي تسمح بتهيئة المناخ السياسي المناسب لتعزيز قرارات محاكمة وعزل مجموعة من أطر الدولة بما في ذلك الضباط السامون والقضاة، بقرارات جديدة يبدو أن أولاها سيكون هو العودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام بحجة الاستجابة لمطالب الشعب.

من الصعب الطعن أو التشكيك الآن في ما يصدر عن أردوغان، فسواء كان هو من دبر الانقلاب، كما أفاد بذلك معارضه غولن، أو كان مستهدفا من الانقلاب، فإن حل اللغز التركي سيطلب المزيد من التريث، وفي انتظار ذلك فإن بوادر تضييق الفوارق بين النهج الديمقراطي وبين المنطق الديكتاتوري صارت تلوح في الأفق وصارت تفرض على كل من له غيرة على وحدة وأمن واستقرار تركيا أن يتحلى بما يكفي من الحيطة والحدر، فتركيا التي كانت تراهن على التوسع في الدول العربية والإفريقية صارت مهددة بالتعرض للمزيد من الهجمات الخارجية والداخلية وصارت بعد تلقي المؤسسة العسكرية لطعنة "الانقلاب الفاشل" أقل قدرة على الدفاع عن النفس وعلى حماية وصيانة الديمقراطية الحق.