الموضوع الذي ننشره اليوم هو نموذجي بكل مقاييس، وهو يستحق أن يكون مرجعية في التعامل مع عرب إسرائيل ومدخلا لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي

قسم التحرير

بقلم: د. يوسف بن مئير

مراكش، 1 نوفمبر 2016

ما هي العناصر التي تصنع  مشروع تنمية عظيم؟ أية صفات  تشكّل  مبادرة مع طول العمر والإستدامة، مما يمكنها من تلبية مجموعة كاملة من العناصر المترابطة والإحتياجات العاطفية ؟ فهل هناك مفهوم مفرد ينطبق على موقع جغرافي محدد والذي - بشكل استثنائي - يجسد تلك الصفات؟

الجواب: نعم!  اسمحوا لي أن أقدّم ما أسميه مشروع نموذجي - المجرفة جاهزة، مع احتمال أن يتم افتتاحه في المملكة المغربية. في هذا السياق، إنه بعدٌ محدّد من الإستدامة له صلة وثيقة بالموضوع.

والحقيقة هي أنه كلّما زاد عدد شركاء مشروع مجتمع محلي يُدار بشكل ٍ جيّد ازداد عمر هذا المشروع.  ويعني هذا أيضا ً عدد أكبر من الشركاء وعدد أكبر من المصالح والأهداف المرجح ان يتم تلبيتها، وأطراف ومساهمين أكثر اهتماما وأقلّ خطراً، وزيادة القدرة على التكيف والكفاءة ومستوى أعلى من معرفة المستفيدين والقدرة على إعادة الاستثمار.

المشروع النموذجي موضوع هذه المقالة هو حالة فريدة من نوعها تشارك فيها الجالية اليهودية المغربية بلعب دور  لا غنى عنه في تلبية حاجة المغرب لمليار شجرة ونبتة، وبالتالي المساعدة في حل الأعباء القاسية للفقر الريفي. وقد تلهم هذه المبادرة العالم بالفعل لأنها تجمع بين تعاون المسلمين واليهود من ناحية والتشاركيات المحلية - الدولية والخاصّة والعامّة من الناحية الأخرى. 

وقد مكنت الطبيعة المتعددة الأوجه والميزات الفريدة للمشروع النموذجي من تلبية المعايير اللازمة ليصبح التزاما على مبادرة كلينتون العالمية للعمل.

هل المشروع زراعي؟ بيئي ؟ متعدد الثقافات؟ هل يمكّن المرأة والشباب والأسر المهمشة؟ هل يدفع بالإجراءات الديمقراطية وبالمجتمع المدني والشركات إلى الأمام ؟ هل يزيد المشروع من حجم التبادل التجاري وفرص العمل المحلية والخارجية ؟ وهل يستثمر المشروع في مجال التنمية البشرية  ويعالج قضايا الفقر في المناطق الريفية ؟ وهل يقوم بتطوير المهارات القابلة للاستخدام والضرورية للغاية من الناحية الوطنيّة ؟ وهل يغذّي الأمن وموازنة نسبة الكربون في البيئة والأهداف في المغرب؟

نعم لكل ما سبق ذكره !

التاريخ / المنشأ
لقد مرت 23 عاما كاملة من تصور المشروع إلى التوافق في الآراء بشأن توسيع التجربة الناجحة بشكل ٍ باهر.

كنت في منتصف العشرينات من عمري متطوعاً في فيلق السلام في المغرب، وكنت أعيش في وادي تيفنوت على الجانب الجنوبي من جبال الأطلس الكبير.ومرورا ً بمنطقة ورزازات لاحظت وجود منطقة جرداء على منحدرات الجبال، تتآكل تربتها مع وجود هياكل بيضاء قديمة ومهيبة تقع عند قاعدتها.

كنت على حد سواء فضولي فيما يتعلّق بالمباني ومدركا ً بأن الجبل يمكن أن يكون على هيئة مدرجات بحيث يوفّر الأراضي الصالحة لزراعة المشاتل التي تشتد الحاجة إليها. وفي وقت لاحق علمت أن هذا الموقع يضم قبراً عمره ألف عام للحاخام ديفيد أوو موشي، وهو واحد من مئات القديسين المغاربة اليهود. وكان هناك هياكل أخرى مجهزة لاستيعاب المئات من الزوار القادمين كل عام، لا سيما خلال فصل الخريف، للترحّم على روح الحاخام،  وهو حدث يقع مباشرة بعد عيد العرش اليهودي.

ورأيت أنّ هناك فرصة.ففي حين أنّ العائلات الفلاحيّة بحاجة ماسة لزراعة أشجار الفاكهة، باعتبارها واحدة من سلسلة من التدابير اللازمة للقضاء على الفقر الريفي المنهجي، وجدوا أنه من المستحيل التخلي عن أراضيهم الحالية لمدة عامين من أجل إنشاء مشاتل.فدخول الأراضي الجديدة مرحليّا ً، قبل الزرع، أمر حيويّ وضروري من أجل كسر الجمود. والجالية اليهودية في المغرب، التي تملك أكثر من ستمائة موقع ريفي، يمكن أن تكون شريكاً محتملاً في هذا المشروع.

أنا أعمل في وقت كتابة هذه المقالة رئيساً لمؤسسة الأطلس الكبير (HAF)، وهي منظمة غير ربحية أمريكية - مغربيّة قمت بتأسيسها في عام 2000 مع متطوعين آخرين من فيلق السلام. ونحن نعمل مع المجتمعات الزراعية "من المزرعة إلى المائدة" - من الإعداد للمشاتل حتى بيع المنتجات الزراعية ذات الشهادة العضوية مع موازنة الكربون في البيئة.

نموذجنا هو المشاركة في شراكات مع المجتمعات المحلية والاستفادة من المنهجية التشاركية لتحديد وتنفيذ مشروع أولي قبل استخدام عائدات تمّ الحصول عليها للاستثمار في الطلاب والمدارس والتعاونيات النسائية ومياه الشرب والري والتدريب – وهذه كلها الأولويات التي عبرت عنها تلك المجتمعات.

والدي، الدكتور ألون بن مئير، كاتب وناشط من أجل السلام في الشرق الأوسط. وبالنظر إلى الوراء، يبدو من الطبيعي أنني سعيت لإنشاء مشاتل لمجتمع يغلب عليه الطابع الإسلامي على أرض تمت إعارتها من قبل الشعب اليهودي المغربي، مضيفا بذلك عنصرا من الوحدة في منطقة مثقلة بالإنقسام الكارثي.

أود بهذه المناسبة أن أعرب عن خالص التقدير لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية.  لقد جعل الملك من الحفاظ على مقابر جميع الأديان مسألة ذات أهمية وطنية وأنشأ بذلك علاقة بين التعددية الثقافية المغربية والتنمية البشرية.

مشروع تجريبي في أكريش
أنشأت مؤسسة الأطلس الكبير في عام 2014 مشتلاً تجريبيّا  على الأراضي المشاع اليهودية في أكريش التي تقع على الجانب الشمالي من جبال الأطلس الكبير في محافظة الحوز حوالي 25 كيلومترا إلى الجنوب من مدينة مراكش، في موقع قبر عمره 700 سنة يعود للشافي الحاخام رافاييل هكوهين.

ومنذ ذلك الوقت قمنا بزراعة 120.000 بذرة من بذوراللوز والتين والرمان والليمون التي وصلت إلى مرحلة النضج و يتم الآن الإعتناء بها من قبل حوالي 1000 مزارع و 130 مدرسة.

لقد تبرّع بسخاء بتكلفة المشروع البالغة 60.000 دولار أمريكي وهيبة إسترغارد ومايك جيليلاند صاحب سوق لاكي، وجيري هيرش ومؤسسة النجم القطبي.وأثبت محافظ إقليم الحوز آنذاك، السيد  يونس  البثاوي، قيادة رائعة وصاغ اسم المبادرة، دار الحياة. ويقوم جاكي كادوش، رئيس الجالية اليهودية في مراكش-الصويرة، جنبا إلى جنب مع زوجته فريدي، بتقديم الدعم الضروري، كما يفعل ذلك أيضا ً أفراد الجالية إسحاق وبلوريا  أوهايون.

تمّ في عام 2016 تسليم الأشجار الأولى من المشتل التجريبي للمزارعين والأطفال المحليين من قبل الحاكم وانضم إليه سفير الولايات المتحدة لدى المملكة المغربية، دوايت بوش. وفي وقت سابق استضاف السفير بوش حفل استقبال لدار الحياة في منزله في الرباط، حيث تحدّث مستشار الملك، أندري أزولاي، ومدير فيلق السلام السابق في المغرب، إلين باكيت، عن سنوات من التفاني والفوائد بالنسبة للمغرب تجسدت في عملنا.

جعل المشروع النموذجي واقعاً
في الموقع الذي سيتمّ فيه تنفيذ المشروع النموذجي ستشهد السنة الأولى إنشاء 26 مشتل مدرّج مدعومة من الحجر المأخوذ من الجبال المحيطة الآخذة بالتفتّت.ستضمّ المساحة الجديدة من الأراضي الصالحة للزراعة نصف هكتار (5000 متر مربع)ستنمو عليها 300.000 شجرة عضوية بطول متر واحد من أشجار الجوز والخروب والتين والرمان والكرز واللوز، فضلاً عن عشرات الأصناف من الأعشاب الطبية هذه ستُمنح عند نضجها مجاناً للجمعيات المحلية ول 5000 أسرة من المزارعين و 2.000 مدرسة في عموم محافظات المغرب وجنبا إلى جنب مع شركائنا، ستراقب مؤسسة الأطلس الكبير النمو كجزء من مبيعات موازنة الكربون، والإيرادات التي سيتم جمعها ستستثمر في مزيد من الزرعة.

بعد سنة واحدة، سيتم تركيب لافتة مصنوعة من خشب الجوز العضوي كتذكار لجوليان رافائيل بردوغو، وهو ابن شاب متوفى للأسف للزوجين أرليت وسيرج بردوغو، الأمين العام للجماعة اليهودية في المغرب.

سيكون هناك بعد أربع سنوات أكثر من مليون شجرة ونبتة أعشاب نمت من بذور زرعت بالقرب من موقع مدفن الحاخام دافيدو موشي سيتم نقلها إلى البساتين المحليّة والأراضي الزراعية.وعندما تنضج النباتات، فإنه سيكون لها تأثير اجتماعي وبيئي قوي على نحو متزايدومما لا شك فيه أنه سيكون للمشروع ككل عامل صدى ً لتكرار المبادرة في الجالية اليهودية المغربية وتوفير المئات من قطع الأراضي المجاورة للأماكن المقدسة في جميع أنحاء المملكةوعلى نطاق واسع، فإن عشرات الملايين من البذور ستُزرع كل عام، وحياة أفضل ستتاح للجميع.

تحقيق الرؤية
وبهدف ايصال المشروع النموذجي إلى حيز الواقع، نحن بحاجة إلى 300.000 دولارا ً أمريكيّا ً من شأنها أن تغطي التكلفة الكاملة، بما في ذلك مؤسسات التدريب على الممارسات العضوية. وستستضيف مؤسسة الأطلس الكبير في 17 نوفمبر الجاري مزاداً علنيّاً لموازنة الكربون في CPO 22 في مراكش، وهو موقع معزول بفعل بساتين وبيارات المجتمع المحلي التي نزرعهاومع شركائنا المحليين لدينا حاليا أكثر من 500.000 شتلة في اثني عشر مشتلا ً في جميع أنحاء المغرب.

إنني أشعر كل يوم بالامتنان للعمل من أجل التنمية المستدامة في المغرب، حيث تمكن الأطر الوطنية من تنفيذ مشاريع لنطاق وطنيهنا المكان الذي يستقرّ فيه مشروع بيت الحياة بشكل ٍ طبيعي. وتنفيذ المشروع النموذجي كجزء من هذه المبادرة من شأنه أن يرسّخ  تلك الشراكات التي تسعى لرخاء الشعب والأخذ برأيه ومشاركته، وفي نهاية المطاف، لعظمة المغرب.

___________________________

د. يوسف بن مئير متخصص بعلم الإجتماع ورئيس مؤسسة الأطلس الكبير.