نجاح قمة المناخ بمراكش تحدده مواقف الدول الملوثة للبيئة

عبد القادر الحيمر

أعلنت الصين والولايات المتحدة يوم السبت  3 شتنبر 2016، مصادقتهما على اتفاقية باريس حول تغير المناخ "كوب 21"، ويعتبر هذا الإعلان، الذي جاء خلال لقاء الرئيسين شي جين بينغ وباراك أوباما على هامش قمة مجموعة العشرين في هانغتشو بشرق الصين، خطوة متقدمة نحو تدليل الصعاب التي سيكون على قمة المناخ المرتقب انعقادها خلال نونبر 2016 في مراكش أن تعالجها لعلها تمهد لانخراط طوعي أوسع في تطبيق الإجراءات المتفق عليها في باريس وتساعد على التوجه بجدية نحو تنفيذ الالتزامات التي رغم أهميتها فإنها لا ترقى إلى المستوى الذي يحقق الحماية الفعلية للبيئة ويحمي عدة شعوب من مخاطر تقلبات المناخ والاحتباس الحراري.

تكتسي مصادقة الصين والولايات المتحدة على الاتفاقية، التي تم إقرارها في باريس بتاريخ 12 دجنبر 2015، أهمية خاصة لأنهما أكبر ملوثين في العالم، ولكن رغم أن الصين تنتج حوالي 20% من الغازات الدفيئة في حين تنتج الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 18% منها، فإن كلا البلدين نجحا في إدراج بند يوضح أن الاتفاق "لن يشكل قاعدة" لتحميل "المسؤوليات أو المطالبة بتعويضات" ومع ذلك فإنهما كسبا رضا المنظمات غير الحكومية لأن الاتفاقية تؤكد ضرورة عدم تجاوز سقف الدرجتين المئويتين وتدعو إلى متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية كما تنص على مراجعة التعهدات الإلزامية كل خمس سنوات، وعلى زيادة المساعدة المالية لدول الجنوب، إضافة إلى قرارات متعلقة بدعم البيئة والتنمية المستدامة.

بمصادقة الصين والولايات المتحدة على الاتفاقية توجهت الأنظار إلى الدول الأكثر مساهمة في إنتاج الغازات الدفيئة، ذلك أن الاتفاقية لا يمكن أن تدخل حيز التطبيق إلا إذا ارتفعت نسبة خفض الانبعاثات المصادق عليها إلى 55%، وهذا يعني أن الدول المعنية، وخاصة منها الهند وروسيا والمملكة العربية السعودية والبرازيل وأستراليا وكندا، سيكون عليها أن تبادر بدورها إلى المساهمة في إنجاح قمة المناخ بمراكش "كوب 22".

في انتظار انعقاد قمة مراكش بادرت العديد من الدول الإفريقية، وفي مقدمتها المغرب، إلى الانخراط الفعلي في تبني سياسات تتخذ من احترام المعايير البيئية أساسا لتحقيق التنمية المستدامة والمتقاسمة، وقد تجلى هذا التوجه في الكثير من المشاريع التي تمت في إطار التعاون بين دول الجنوب، كما تجلى في استحضار البعد البيئي في المفاوضات الدبلوماسية وفي نوعية القوانين المصادق عليها من طرف المؤسسات التشريعية في الدول التي تعاني أكثر من غيرها من المخاطر البيئية.

بالنسبة للمغرب فإن اختياره كبلد مضيف للقمة 22 حول المناخ أملته عدة عوامل منها ما هو مرتبط بانتمائه للقارة الإفريقية وبتوجهاته التنموية التي عكستها العديد من المشاريع المنجزة في العديد من دول القارة السوداء، ومنها ما هو مرتبط بخياراته على المستوى الوطني، فإذا كان مشروع الطاقة  الشمسية قد جعله يكسب ثقة المدافعين عن حماية البيئة فإن البعد البيئي نال نصيبه من الانشغالات اليومية للمواطنين، ومن أبرز ما تحقق في هذا المجال التنصيص على البعد البيئي في الدستور والتوفر على هيئات حكومية تعنى بالشأن البيئي، أما على مستوى النشاط غير الحكومي فقد برزت مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة كهيأة استطاعت أن تشرف على مشاريع بيئية همت بشكل خاص واحة النخيل بمراكش وتدبير المياه والحفاض على الساحل، كما أن تركيزها على التربية والتعليم وعلى إقامة علاقات شراكة مع الفاعلين الاقتصاديين، مكنها من رفع الألوية البيئية في العديد من المدارس والشواطئ والمؤسسات السياحية، ومن المرتقب أن تسفر الاتفاقية البيئية المبرمة مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب عن تفعيل آليات احتساب حصة المساهمة في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري والتعويض الوعي عنها وعن تقليص التلوث الصناعي من خلال الانخراط الطوعي للمؤسسات المساهمة في تلويث البيئة وخاصة في المدن الأكثر عرضة لهذه الآفة مثل المحمدية والقنيطرة اللتان تعانيان من تناثر الغبار الأسود ومن انتشار الروائح الكريهة.

إن جل الدول الصغيرة التي تعاني من مخاطر التلوث تنتظر من كبريات الدول أن تستحضر البعد البيئي في سياستها العامة وأن تستحضر المخاطر التي تحذق بالعالم جراء الكوارث الطبيعية وجراء تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فالحلول الحقيقية لمآسي الهجرة السرية لن تتم بقوة السلاح ولا بتشديد إجراءات الحماية من اجتياز الحدود، وإنما يتم بالاستثمار في تثبيت الساكنة في مواطنها الأصلية عبر تمويل برامج استثمارية بديلة عن تلك التي عمقت الهوة بين الدول والشعوب وحولت الكثير من الدول الآمنة إلى مواطن لنشر ثقافة الإرهاب ولتحويل الأجساد البشرية إلى أسلحة فتاكة قادرة على أن تلحق الضرر البليغ بكل الدول بما فيها تلك التي تعتبر نفسها قوية وآمنة، ففي مراكش، بوابة إفريقيا سيكون على مختلف دول العالم أن تدفع قدما في اتجاه الانخراط الطوعي والعمل سويا على إنجاح القمة البيئية 22، فكما أن اختيار المغرب كبلد مضيف لهذه القمة لم يكن عبثيا فإن استحضار دوافع هذا الاختيار من شأنه أن يزاوج بشكل أكثر عدالة بين إكراهات حماية المصالح والمواقع وبين الحاجة الملحة للحماية من مخاطر البيئة، فعظمة الدول لم تعد تحتسب فقط بترساناتها العسكرية وقوتها الاقتصادية وإنما صارت تحتسب أيضا بمدى مساهمتها في بلورة علاقات جديدة تقوم فعلا على التنمية المستدامة وعلى التعاون المثمر لما فيه مصلحة الشعوب.