لخص محمد قارية، من موقعه كرئيس لشركة "إي إم تي سي imtc" للنقل البحري وكخبير عايش عن قرب مختلف مراحل تطور القطاع، أسباب الأزمة التي صارت تهدد بفقدان المغرب لسيادته وذكر بمقترحات الحلول التي بضرورة إقرارها قبل فوات الأوان

هذه ترجمة للتصريح المصور الذي أدلى لنا به الكومومندون قاريا كما يسميه المهنيون:

 

أطلقت وزارة التجهيز والنقل سنة 2006 سياسة التحرير التي شملت النقل البحري على غرار ما تم بالنسبة للخطوط الملكية المغربية وما تم في النقل البري، ومع كامل الأسف فإن التقدم في تطبيق هذه السياسة يتضمن إجراءات تحفيزية لجعل الأسطول المغربي قادرا على خوض غمار المنافسة، ولم يسبق أن كنا ضد هذا النمط من التحرير شريطة أن نكون في نفس مستوى الأجانب، إلا أن واقع اليوم يشهد أن الأسطول المغربي الذي انتقل من 66 إلى حوالي 20 باخرة، يعاني من التنافسية لأن الأجور المعمول بها في البواخر المغربية لا علاقة لها بالأجور المعتمدة في البواخر الأجنبية التي تستعمل أساطيل المحاباة وتشغل بحارة من الفلبين وسريلانكا وروسيا.

 لقد كنا مضطرين لتوقيف بعض الخطوط لتقليص الخسائر والاستمرار في تأمين بعض خدمات تموين المغرب الضرورية، وخاصة من شمال أوربا وشرق المتوسطي، فإذا كانت 98 % من مبادلات السلع تمر عبر الموانئ فإن الأسطول المغربي لا يغطي حتى 3% وذلك بعدما كان قد بلغ قبل بضع سنوات حصة 25% ، علما بأن كلفة النقل البحري تقدر ب 22 مليار درهم في السنة، فعمليا فإن الأسطول المغربي يساهم ببعض بواخر نقل المسافرين أما في نقل السلع فإن مساهمته تقتصر على نقل بعض الشاحنات عبر البواخر من صنف رورو، ومن أجل تأمين عبور المضيق فإننا فتحنا خطا في اتجاه كادس,

إن مديرية الملاحة التجارية التي كانت دوما تحت وصاية وزارات أخرى، والتي تعتبر  آخر حلقة في السلسلة، بقيت طيلة 3 سنوات بدون مدير، مما زاد من تعقيد الأمور وخاصة على مستوى تأمين سلامة البواخر وعلى مستوى التأخير في تنفيذ التوصيات المرتبطة بالقانون الدولي إذ في كل سنة يصدر قانون جديد، فالتأخير المتراكم على هذا المستوى عقد بدوره أوضاع النقل البحري

في ما يتعلق بشركة إي إم تي سي، فإننا، بفعل الأزمة، أجلنا إصلاح البواخر، لكن عندما اضطررنا أنفقنا سنة 2012 ثروة في الإصلاح  وإعادة تأهيل البواخر، وهذا الإنفاق انعكس على باقي مقومات الشركة وأسفر عن نقص في السيولة وهو النقص الذي لم تعمل البنوك على تغطيته كالسابق.

قمنا بعدة محاولات تجاه الحكومة، وخاصة تجاه وزارة النقل، ولكنها مع الأسف لم تسفر عن أية نتيجة، لقد عينت الحكومة شركة للقيام بدراسة حول الاستراتيجية البحرية، ومن المرتقب أن تكون جاهزة في شتنبر، وهو موعد نعتبره جد متأخر، لأنه حتى في حالة احترام هذا الموعد فإن الدراسة ستعرض على الوزارة وبعدها على البرلمان، ولسنا متفائلين، لأن هذه الدراسة سبقتها 3 دراسات دون أن تترتب عنها أية نتيجة ولو على مستوى عائق اقتطاع 10 % عند المنبع الذي يجعلنا عند المنطلق أغلى من غيرنا ب  10%، فهذا الوضع يجعلنا عاجزين عن نقل السلع غير المعلبة والملففة " LE VRAC" عبر التأجير وخاصة منها الفحم والحبوب والسكر والفوسفاط. حاليا الوضع متوقف، وقد أجرينا في منتصف شهر ماي لقاءات مع الوزير الوصي ومع رئيس الحكومة ونأمل في أن نتوصل إلى مخرج.

بالنسبة للقروض تجاه الخارج، والمرتبطة بقطع الغيار وبالمحروقات، كنا من قبل نستفيد من آجال تتراوح بين شهرين أو ثلاثة، أما الآن فصار الأداء عند الانطلاق، وحتى الخبراء الأجانب الذين نضطر إلى الاستعانة بخدماتهم يطالبون بالأداء قبل أن يغادروا مكاتبهم، يجب أن تكون المبالغ قد حولت على حساباتهم البنكية، نفس الشيء بالنسبة للأندية، لنقل بالنسبة لمجموع الخدمات التي لا يمكننا القيام بها في المغرب، فمثلا بالنسبة للبترول كانت علينا ديون في حدود 12 مليون دولار أي ما يعادل 120 مليون درهم، أما الآن فقد اختفت إذ صرنا ملزمين بالأداء فورا.

لقد وصلنا إلى وضعية نوعا ما صعبة، ومع اقتراب موعد عطل الجالية المغربية المقيمة في الخارج فإنه في حال عدم تواجدنا سينفرد الإسبان بمهمة عبور المضيق، وعواقب وضع مثل هذا معروفة، إنها الارتفاع الفوري للأسعار كما حصل في السلع غير المعبأة التي لا يملك المغرب إمكانية مراقبة نقلها، لقد كنا في السنوات الأخيرة نعقد لجانا على المستوى الوزاري وعلى مستوى اللجنة الوطنية المكلفة بالمهاجرين، وكانت اللجنة في كل مرة تطالبنا بتخفيض الأسعار، وحينها كان بإمكاننا القيام بذلك، أما اليوم فإن الأسعار تحدد في الخارج ولم يعد المغرب يتوفر على إمكانية مراقبتها.

إنها إذن وضعية استعجالية، وإذا كان هناك توقف في الجزيرة الخضراء ولو لبضعة أيام فإن ذلك سيشكل كارثة حقيقية بالنسبة للمغرب، إذ لن يكون هناك منفذ للشاحنات المجهزة بالتبريد والمعدة لنقل الحوامض والبواكر إلى أوربا، فعدد الحاويات المبردة قليل في المغرب، وقد قمنا باستثمارات مهمة بلغت حوالي 36 مليون دولار منها 30 مليون دولار للباخرة و 6,5 مليون دولار للحاويات، لكن مع جفاف السنة الماضية والمشاكل المناخية للسنة الحالية  لم يعد بإمكاننا تجميع العدد الكافي من الحاويات لإنجاز رحلة بحرية، ولذلك يقتصر النقل على الشاحنات.

رغم أن الخط الذي فتحناه بين بور فوندر وجنوب فرنسا ساهم في استقرار أسعار النقل التي انتقلت من 4600 أورو إلى 3100 أورو فإن الأزمة التي لحقت بأوربا  رفعت كلفة كل المكونات المتدخلة في تحديد كلفة النقل، وعقب ذلك اتخذت كل الدول إجراءات لفائدة أساطيلها، وفي حالة اسبانيا بالذات فإنها منحت لأسطولها 50 مليون أورو، هذا دون الحديث عن بناء السفن حيث يستطيعون شراء سفن جديدة عبر قروض تدخل عمليا في إطار الدعم المباشر، وهذه الإجراءات لا وجود لها في المغرب، إذ كل الاستثمارات متوقفة عمليا في قطاع النقل البحري. أملنا هو الشروع في نقل السلع غير المعبأة، ونحن مقتنعون بهذا الخيار ونراهن عليه لأن النقل البحري يدخل في مهام صندوق المقاصة، إذ عوض إنفاق الأموال في المقاصة يمكن أن تنفق في استثمارات مستقبلية بقطاع النقل البحري بهدف تأمين استقرار أسعار السلع غير المعبأة كالفحم الحجري والحبوب والسكر وغيرها

إذن هذه هي الوضعية الحالية، وقد تقدمنا بمقترحات إجراءات في عدة مناسبات ولكنها لم تجد لحد الآن طريقها للتنفيذ، والآن يقال لنا عليكم انتظار نتائج الدراسة حول النقل البحري التي ينجزها مكتب دراسات إسباني، وعندها سنرى ما ستقرره الحكومة، لأنه بدون إجراءات مواكبة سيجتاز الأسطول المغربي وضعية جد صعبة . إننا انتقلنا من طاقة شحن في حدود 660 ألف طن إلى حوالي 40 ألف طن حاليا، لقد انخفضت هذه الطاقة ب 15 مرة.

إذن حتميا لابد من اتخاذ إجراءات على غرار الدول الأخرى، إجراءات تشجع الأسطول المغربي وتطور الشغل في قطاع النقل البحري. إننا نتوفر على معهد عالي للدراسات البحرية ، وهو عمليا سفير للمغرب، لأنه في إطار التعاون الدولي هناك عدة طلبة يتكونون فيه، والذي يجب عدم نسيانه هو أن هذا المعهد ، بتعاون مع الأسطول البحري، مكن المغرب من تكوين ربابنة وأطر في مختلف التخصصات، وهذا الصنف من الأطر صار ناذرا ومكلفا.

هذه هي الوضعية، ونأمل من الحكومة، التي هي واعية بالوضعية، أن تنتقل إلى التنفيذ.